نظرة على تاريخ السينما في إيران.. أولى دور السينما في مشهد

نظرة على تاريخ السينما في إيران.. أولى دور السينما في مشهد

ارتبط دخول السينما إلى تاريخ مدينة مشهد بسنة 1280 هـ شمسية (1901)، وهو تاريخ بدأ مع انعكاس الأضواء على جدران قاعة «اعتبارالسلطنه».

وبحسب ما أفاد به الموقع الإخباري لمتحف السينما الإيرانية، فإن أول مكان عُرضت فيه الأفلام بشكلٍ عام للجمهور في «الأرض المقدسة» كان قاعة اعتبارالسلطنه، الواقعة في الشارع المعروف اليوم بـ«ثبت»، المتفرع من شارع الإمام الخميني (رض).

كان موسى خان اعتبارالسلطنه، في تلك الفترة، أي في منتصف العقد الثامن من القرن الثالث عشر الهجري الشمسي، رئيس القورخانه (مصنع الأسلحة) في مشهد، ولذلك كان يتمتع بمكانة خاصة واعتبار كبير في المدينة، وكانت إجراءاته تحظى بقبول عام لدى الناس، حتى إن رجال الدين في المدينة لم يعترضوا عليه.

وبناءً على ذلك، قرر أن يُنشئ في عمارته الواقعة في حيّ «أرك» بمدينة مشهد قاعة لإقامة الاحتفالات المختلفة وتنظيم العروض. وكان هذا المسؤول، بحكم عمله، على اتصال دائم بطهران، ما أتاح له الاطلاع على أحدث التطورات في العاصمة. وفي عام 1288 هـ شمسية(1909)، قرر تخصيص جزء من أوقات نشاط القاعة لعرض الأفلام، فاشترى جهاز عرض يدوي يعمل بمصباح «كاربيت» قادر على عرض الأفلام.

ثم قام موسى خان بشراء عدة بكرات من الأفلام الروسية، وعرضها لأول مرة في هذه القاعة، الأمر الذي أثار دهشة الجميع، وبهذه الطريقة وُلدت أول سينما في مشهد. ونظراً للإقبال الجيد من قبل الأعيان وكبار القوم على مشاهدة الأفلام في قاعته، كان يسعى إلى توفير أفلام جديدة وعرضها على فترات متقاربة.

ومنذ عام 1292 هـ شمسية(1913)، بدأ موسى خان اعتبارالسلطنه بتقاضي مبلغ «خمسة شاهيات» من كل شخص لمشاهدة الأفلام في قاعته التي كانت تتسع لنحو 300 شخص، وهو ما يعادل ربع ريال. ويُذكر أنه لم توضع مقاعد للجلوس لكبار المدينة إلا في السنوات الأخيرة من نشاط هذا المكان، بينما كان المشاهدون في السنوات الأولى يجلسون على أرضية القاعة المفروشة بالسجاد لمتابعة العروض السينمائية.

أول سينمائي من مشهد

يُعَدّ «آوانِس أوهانيانس» اسمًا مألوفًا لدى جميع المهتمين بالسينما في إيران. فقد عرّفه مؤلفو الموسوعات السينمائية بألقاب عديدة، من بينها: أول مخرج سينمائي في إيران، ومؤسس أول مدرسة للتمثيل السينمائي في البلاد، وأول مونتير أفلام إيراني، وأول كاتب سيناريو إيراني. غير أنّ من الجدير بالذكر أنه يُعَدّ أيضًا أول سينمائي من مدينة مشهد مارس جميع هذه الأدوار، إضافة إلى كونه أول من تولّى إدارة واستثمار قاعة سينما في مشهد.

وتؤكد المعلومات التاريخية الرسمية المسجّلة عن حياته هذه المكانة. فقد ورد اسمه في كتب تاريخ السينما الإيرانية بصيغ متعددة، مثل: أوهانس أوهانيانس، أوهانس أوغانيانس، أوهانس أوهانيان، وكذلك «آوانِف». وُلِد في السادس من شهر دي سنة 1279هـ ش (الموافق تقريبًا أواخر عام 1900م)، وبحسب رواية في عشق آباد بتركمانستان، وبحسب رواية أخرى في مدينة مشهد.

انتقل أوهانيانس في سن الخامسة مع والده إلى عشق آباد ثم إلى موسكو. وبعد إنهائه دراسته في مجال السينما في معهد الفنون بموسكو، وانفصاله عن زوجته، استقرّ في مشهد مع ابنته الوحيدة، وعمل تحت اسم «آوانِف» اختصاصيًا في تشغيل أجهزة العرض السينمائي (البروجكتور) في قاعة «اعتبارالسلطنه».

ثم تولّى لفترة إدارة هذه القاعة نفسها، وبعد إغلاقها عاد إلى عشق آباد، لكنه رجع إلى مشهد عام 1308هـ ش(1929)، وبعد فترة قصيرة توجّه إلى طهران.

وبعد عودته إلى إيران، وبالاستفادة من التعليم الذي تلقّاه، سعى إلى تأسيس أول مدرسة سينمائية في البلاد. وبعد حصوله على موافقة شخصيات ثقافية معروفة مثل سعيد نفيسي، وعباس مسعودي، وعلي وكيلـي، وعدد آخر من المتعاونين، نشر في 24 فروردين 1309هـ ش(13 نيسان 1930) إعلانًا دعا فيه الراغبين في احتراف التمثيل إلى التسجيل يوميًا في مكتب «مدرسة آرتيستي سينما» الواقع في شارع علاءالدولة (شارع فردوسي حاليًا). وقد تم الإعلان عن أول دفعة من خريجي هذه المدرسة في شهر دي من العام نفسه.

وبالتوازي مع إدارته لأول مدرسة تمثيل سينمائي في إيران، حاول أوهانيانس إنتاج أول فيلم سينمائي إيراني كوميدي. وكان هذا الفيلم الصامت بعنوان «آبي ورابي»، وقد تولّى فيه بنفسه مهام الكتابة والسيناريو والإخراج والإنتاج والمونتاج. وعُرض الفيلم للمرة الأولى يوم الجمعة 12 دي 1309هـ ش(2 يناير 1931) في سينما «ماياك»، ليُسجّل هذا السينمائي الأرمني المولود في مشهد مجموعة كبيرة من «الأوائل» في تاريخ السينما الإيرانية.

توفي أوهانيانس عام 1340هـ ش (1961) عن عمر ناهز 61 عامًا في عزلة ونسيان، ودُفن في المقبرة القديمة للأرمن في طهران، أي مقبرة دولاب. وإلى جانب تلك الريادات، بقي اسمه مسجّلًا بوصفه الكاتب والمخرج والممثل لأول فيلم غير مكتمل في تاريخ السينما الإيرانية، وهو فيلم «الفارس الأبيض». كما حمل الألقاب نفسها في فيلم «حاجي آقا ممثل السينما»، الذي يُعَدّ ثاني أفلامه والنسخة الوحيدة الباقية من سينما إيران الصامتة.

أول فيلم صُوِّر في مدينة مشهد

يُعدّ أبو القاسم رضائي أول شخص من أبناء مشهد يُقدم على صناعة فيلم في هذه المدينة. فقد قام بذلك وهو في الحادية والثلاثين من عمره، أي في عام 1326 هـ.ش (1947م)، مستخدمًا سيناريو كتبه برويز خطيبي بعنوان «عمه خانم»، واختار لفيلمه اسم «السماء الزرقاء».

شارك في هذا الفيلم، إضافةً إلى مهدي رئيس-فيروز الذي كان من الممثلين المعروفين في إيران آنذاك، حبيب أجدري، وهو ممثل مسرحي مشهور في مشهد، ليحصل بذلك على لقب «أول ممثل من مشهد في سينما إيران».

لكن هذا الفيلم لم يُكتب له أن يرى نهاية سعيدة؛ إذ اضطر رضائي، بسبب عدم وجود مختبرات لطباعة الأفلام الملوّنة في إيران، إلى إرسال العمل إلى ألمانيا للطباعة. وقد طال هذا السفر كثيرًا، وعندما وصلت النسخ المطبوعة إلى مشهد عام 1333 هـ.ش (1954م)، كانت مجموعة العمل قد تفككت، فلم يعد من الممكن استكمال الفيلم، وبذلك لم يُعرض أول فيلم أُنتج في مشهد مطلقًا.

أدت هذه الحادثة إلى ابتعاد رضائي عن الإخراج، باستثناء حالة خاصة جدًا، واقتصر نشاطه قبل الثورة على تصوير أفلام مثل «عمر دوباره» و«زنده باد خاله» (كلاهما إنتاج 1331 هـ.ش(1952))، و«لغزش» و«غناهکار» (كلاهما إنتاج 1332 هـ.ش(1953))، و«بایان رنج‌ها» (إنتاج 1334 هـ.ش(1955)). أما بعد الثورة، فاكتفى بالتمثيل في أفلام «مرد عوضی» (1997م)، و«دارا و ندار» (1999م)، و«یکی بود، یکی نبود» (2000م)، و«مربای شیرین»(2001م).

أول مدفون سينمائي في مشهد

يُعَدّ اسم ميرزا إبراهيم خان صحّاف‌باشي من الأسماء المرتبطة ارتباطًا خاصًا بتاريخ السينما الإيرانية، إذ كان أول من خطا خطوة نحو تعميم السينما في إيران. كان ميرزا إبراهيم خان يمتلك متجرًا لبيع التحف في شارع لاله‌زار بطهران، وفي خرداد سنة 1276 هـ.ش(حزيران 1897)، وبإذن من مظفر الدين شاه، غادر البلاد عبر ميناء أنزلي في رحلة تجارية حول العالم.

وفي سنة 1279 هـ.ش(1900)، وأثناء وجود الشاه القاجاري في فرنسا وبأمرٍ منه، اشترى جهاز السينماتوغراف، وأحضره معه إلى طهران بعد انتهاء رحلته. كما قام خلال الرحلة نفسها، وبأمر الشاه أيضًا، بتصوير أحد الكرنفالات المقامة في باريس، ليكون بذلك أول من التقط الصور السينمائية بهذا الجهاز.

وعند عودته إلى إيران، أسس ميرزا إبراهيم خان في شهر آبان سنة 1283 هـ.ش(نوفمبر 1904) أول صالة عرض سينمائي في فناء خلف متجره في لاله‌زار نو، حيث عرض أفلامًا كوميدية قصيرة. وكانت تذاكر الدخول تُباع بأسعار متفاوتة (ريال، ريالان، ثلاثة وخمسة ريالات)، وكان جمهور السينما في الغالب من الميسورين ماديًا، إلا أن عمر هذه الصالة لم يدم طويلًا.

بعد أحداث الثورة الدستورية، سُجن صحّاف‌باشي فترةً بسبب الديون، ثم غادر البلاد قسرًا إلى كربلاء بعد أن سلّم جهاز العرض الخاص به إلى آرداشِس بادماغريان (أردشير خان)، ومنها هاجر إلى الهند. وهناك في حيدر آباد الدكن أصدر مجلة «نامه وطن».

وبعد انتصار الدستوريين، عاد إلى إيران، واختار مدينة مشهد للإقامة. تزوّج مرة أخرى، وعمل لفترة في التجارة، ثم مترجمًا للجيش البريطاني، وأخيرًا عاد إلى مهنة التجليد (الصحافة)، ولم يعد إلى عالم السينما، رغم أن ابنه من هذا الزواج أنجز لاحقًا أحد أهم الأفلام الوثائقية في تاريخ السينما الإيرانية.

وهكذا، عندما توفي ميرزا إبراهيم خان صحّاف‌باشي سنة 1301 هـ.ش(1922) ودُفن في باغ نادري قرب قبر نادر شاه أفشار، لم يكن كثيرون يعلمون أنه هو نفسه من أدخل أول جهاز سينماتوغراف إلى إيران.

أول ممثل مشهدي

كما أُشير سابقًا، كان حبيب أجدري أحد ممثلي أول فيلم صُوّر في مشهد بعنوان «السماء الزرقاء». ويُعد أجدري أول ممثل من مدينة مشهد في تاريخ السينما الإيرانية. وُلد سنة 1280 هـ.ش(1901) في مشهد، ومنذ سنة 1307 هـ.ش(1928) عمل معلمًا في المدارس الابتدائية ضمن وزارة الثقافة آنذاك (وزارة التربية والتعليم حاليًا).

وقد عرّفته مجلة «نامه فرهنك» في عددها الرابع من السنة الثانية الصادر في فروردين 1332 هـ.ش(نيسان 1953) بلقب «أب المسرح في خراسان».

وبعد مشاركته في فيلم السماء الزرقاء، وقف حبيب أجدري مرة أخرى أمام كاميرا السينما، وهذه المرة في فيلم «يحيا الخالة» من إخراج برويز خطيبي، المُنتَج سنة 1331 هـ.ش(1952)، ليؤكد مجددًا أحقيته بلقب أول ممثل مشهدي في السينما الإيرانية. ويُذكر أن مصوّر هذا الفيلم كان أبو القاسم رضائي، مخرج فيلمه الأول.

أول محاولة اغتيال سينمائية في مشهد

ولختام سلسلة «الأوائل» في سينما مشهد، نصل إلى عملٍ كان اسمه مألوفًا لكثير من شباب ما قبل الثورة، وكان يُعدّ مشاهدته جريمة لدى بعض العائلات المشهدية، وهو الفيلم الوثائقي السينمائي «خانه خدا» (بيت الله)، الذي يُعدّ – بحسب بعض الروايات – أول فيلم ديني إيراني.

هذا الفيلم هو العمل الخاص جدًا الذي أخرجه أبو القاسم رضائي بعد تجربة فيلمه غير الموفق السماء الزرقاء، إلا أن اسمه لم يُذكر مرة أخرى في شارة الفيلم، بسبب ظروف خاصة جدًا.

وتتمثل هذه الظروف في تعرّضه لمحاولة اغتيال قبل أيام قليلة من عرض الفيلم. ففي آذر سنة 1345 هـ.ش(ديسامبر 1966)، كانت هناك جماعات في المجتمع تعارض عرض هذا الفيلم لأسباب مختلفة؛ إذ رأى بعضهم أن منزلة بيت الله الحرام أسمى من أن يُصوَّر في فيلم، بينما اعتقد آخرون أن السينما مكان لهوٍ وعبث، وأن عرض فيلم عن بيت الله فيها سيجذب الشباب إلى السينما ويؤدي إلى ضلالهم.

وبسبب هذه الآراء، أقدم بعض الأشخاص على محاولة اغتيال أبو القاسم رضائي. وبعد نجاته من الحادث، ولتفادي مثل هذه الاعتداءات، قام بحذف اسمه من شارة الفيلم، مما أدى لسنوات طويلة إلى الاعتقاد الخاطئ بأن جلال مقدم، المخرج السينمائي ذو الأصل النيشابوري، والذي كان في الحقيقة مساعد رضائي، هو مخرج أول فيلم وثائقي ديني في تاريخ السينما الإيرانية.