رسالة مديرة متحف سينما إيران بمناسبة عرض النسخة المُرمَّمة من فيلم «سارا»

رسالة مديرة متحف سينما إيران بمناسبة عرض النسخة المُرمَّمة من فيلم «سارا»

إن عرض النسخة المُرمَّمة من فيلم «سارا» من إخراج داريوش مهرجويي في متحف سينما إيران أتاح فرصة لإعادة النظر في أحد الأعمال المهمة في السينما الإيرانية؛ فيلم يسعى، عبر توظيف إشارات ورموز متنوعة، إلى إيصال مفاهيم تتجاوز السرد السطحي إلى المتلقي.

وبحسب موقع متحف سينما إيران الإخباري، كتبت فاطمة محمدي، المديرة العامة لمتحف سينما إيران، في مذكرة لها أشارت فيها إلى عرض النسخة المُرمَّمة من فيلم «سارا» لمخرجه داريوش مهرجويي في متحف السينما، قائلةً: إن إعادة عرض هذا العمل تتيح الانتباه مجددًا إلى طبقاته الخفية، والتدقيق في عناصر ربما لم تُرَ أو تُسمَع بالقدر الكافي عند عرضه الأول.

في «سارا»، تُفهَم السيميائيات بوصفها تحليلًا للرموز والصور والألوان والعناصر البصرية والرمزية؛ وهي عناصر تساعد على فهم أعمق للمعاني الكامنة في العمل. ومن أهم هذه العناصر الألوان.

تلعب الألوان في هذا الفيلم دورًا بارزًا في نقل المشاعر والحالات النفسية للشخصيات. فالألوان الداكنة والباردة غالبًا ما ترمز إلى الحزن والوحدة والأوضاع السلبية، في حين تشير الألوان الفاتحة والدافئة إلى الأمل والحياة والروح الإيجابية. وفي كثير من المشاهد تعكس الألوان بشكل مباشر الحالة الداخلية للشخصيات.

كما أن الفضاء والمكان يؤديان في «سارا» وظيفة رمزية. فالبيئات المغلقة أو المظلمة أو الباردة توحي بالعزلة والخوف والقلق، في مقابل الفضاءات المفتوحة أو المضيئة التي ترمز إلى الحرية أو الأمل أو انكشاف الحقيقة. وغالبًا ما تعبّر الأماكن التي توجد فيها الشخصيات عن حالتهم النفسية أو عن طبيعة علاقاتهم بالآخرين؛ وهي نقطة تصبح أوضح في النسخة المُرمَّمة.

ومن الأدوات السيميائية الأخرى في الفيلم الموسيقى والصوت. فالاستخدام الذكي للموسيقى والأصوات المحيطة يثير مشاعر مختلفة، ويعزّز في الوقت نفسه بعض الرموز الثقافية والاجتماعية. كما أن الصمت والأصوات المحدودة يشكّلان جزءًا من لغة الفيلم ويسهمان في تشكيل أجوائه الشعورية.

إلى جانب هذه العناصر، تحضر الرموز الثقافية والاجتماعية بقوة. فأنواع ملابس الشخصيات، والأشياء اليومية، والأواني والعناصر الزخرفية، يحمل كل منها دلالات خاصة، ويشير إلى قضايا ثقافية وطبقية وتاريخية. هذه التفاصيل ترفع الفيلم من مستوى حكاية شخصية إلى انعكاس لظروف اجتماعية سائدة في زمنه.

كذلك تؤدي الشخصيات نفسها دور العلامة أو الرمز. فتعابير الوجوه والحركات والسلوكيات تمثل رموزًا للقوة أو الضعف، للمقاومة أو الهزيمة، ولمختلف الحالات النفسية.

وفي هذا السياق، تُعد شخصية سارا المحور الأساسي لصناعة المعنى في الفيلم. فهي شخصية تعيش صراعات داخلية، ومشاعر مكبوتة، وبحثًا عن الهوية. وسارا، بوصفها فتاة من عائلة متوسطة في مجتمع تقليدي، تمثل فردًا يسعى إلى معرفة ذاته وإيجاد مكانه في مواجهة الضغوط العائلية والاجتماعية. ومن سمات شخصيتها الحساسية والعمق العاطفي.

تعيش سارا شعورًا بعدم الرضا والقمع إزاء القيود الاجتماعية والعائلية؛ وهو قمع يحوّل شخصيتها إلى رمز للاعتراض والحرية الداخلية، وإن لم يكن هذا الاعتراض ظاهرًا بشكل مباشر.تمثل سارا مواجهةً بين التقليد والحداثة: فرد نشأ في أسرة تقليدية، لكنه يرغب في العيش خارج هذه الأطر. هذا التناقض يضعها أمام قضايا الهوية والحرية الشخصية والقوة الفردية، ويمكن اعتبار اعتراضها رمزًا لاعتراض جيلها على القيود والقواعد القديمة.

وفي الوقت نفسه، هي شخصية تتأرجح بين الارتباط العاطفي بالأسرة والرغبة في الاستقلال الفردي، وتسعى إلى تحقيق توازن بين رغباتها الداخلية وتوقعات الخارج.

إلى جانب ذلك، يلعب التصوير السينمائي وزوايا الكاميرا دورًا مهمًا في تعزيز مفاهيم الفيلم. فاختلاف زوايا التصوير، وحركة الكاميرا، والتكوينات البصرية، كلها إشارات تسهم في نقل الأحاسيس.

في المحصلة، يقدم «سارا» عبر توظيف هذه العناصر السيميائية مفاهيم عميقة حول العلاقات الاجتماعية، والهوية، والوعي بالذات، والأزمات النفسية، ويدعو المشاهد إلى التدقيق في العلامات واستكشاف الطبقات الخفية للعمل.وتجسّد شخصية سارا انعكاسًا لصراعات الفرد الداخلية في مجتمع تقليدي يمر بمرحلة انتقالية، وتُظهر كيف يمكن، في مواجهة القيود، السعي إلى هوية مستقلة.

إن ترميم «سارا» وإعادة عرضه يذكّران بأهمية العودة إلى مثل هذه الأعمال؛ أفلام لا تزال قادرة على فتح باب الحوار، ويمكن أن تكون مجالًا للتساؤل والتأمل لدى أجيال اليوم والغد.

• فيلم «سارا» من إخراج داريوش مهرجويي، إنتاج عام 1992 (1371 هـ.ش). وقد استلهم الراحل مهرجويي هذا الفيلم من مسرحية «بيت الدمية» للكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن، وشارك في بطولته نيكي كريمي، وأمين تارخ، وخسرو شكيبائي.