وبحسب ما أفاد به الموقع الإخباري لمتحف السينما الإيرانية، فإن عمارة باغ(حديقة) فردوس، إلى جانب جمالها البصري واحتضانها لكنوز السينما الإيرانية في متحف السينما، استُخدمت أيضًا كموقع تصوير للأعمال السينمائية. غير أن قصة أول استخدام لهذه العمارة في التصوير تحمل روايةً شيقة.
ففي عام 1972م (1351هـ ش)، قام آربي آوانسيان، المخرج الإيراني، بإخراج الفيلم السينمائي «النبع» (چشمه) المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأرمني «مكرديش آرمن». وبهذا الفيلم، استُخدمت عمارة باغ فردوس لأول مرة كموقع تصوير سينمائي.
تم تصوير الأجزاء الرئيسية من فيلم «النبع»(چشمه)، الذي قام ببطولته جمشيد مشايخي، داخل عمارة باغ فردوس. وبعد الانتهاء من التصوير، قام آوانسيان بمتابعة الإجراءات اللازمة للحفاظ على هذه العمارة، وفي نهاية المطاف قامت هيئة الإذاعة والتلفزيون في سبعينيات القرن الماضي بشرائها من وزارة التربية والتعليم، حيث كانت تُعرف آنذاك بمدرسة شاپور تجريش. وبعد ذلك خضعت العمارة لأعمال ترميم، وبقيت لسنوات طويلة تحت تصرف التلفزيون.
ولا يزال من فيلم «النبع»(چشمه) ملصق وصور فوتوغرافية معروضة في ممر يربط بين قاعة الجوائز الدولية وقاعة الطفل والناشئة في متحف السينما الإيرانية.
وإلى جانب فيلم «النبع»(چشمه)، تم تصوير أعمال سينمائية إيرانية أخرى في عمارة باغ فردوس، من بينها فيلم «باغ فردوس، الساعة الخامسة بعد الظهر» للمخرج سيامك شايقي، وفيلم «كاغذ بي خط» (ورق بلا سطور) من إخراج ناصر تقوائي، وغيرها.

صنع آربي آوانسيان فيلم «النبع» (چشمه) عام 1348 هـ.ش (1969م)، وهو فيلم جميل وشاعري لاقى عند عرضه الأول نوعًا من الغربة وسوء الفهم. غير أنّه كان واضحًا منذ ذلك الوقت أنّ هذا الفيلم سيحفظ مكانته بين الأعمال النخبوية في تاريخ السينما الإيرانية. تكمن أهمية هذا الفيلم في تفكيكه البنيوي غير المألوف، وهو أمر لم يكن له سابق عهد في سينمانا. فقد كان اقتباسًا حرًّا عن عمل أدبي جاد، بلغة غنائية، مع توظيف إيقاع هادئ ومتناسق، وكل ذلك كان يدل على أنّ «النبع»(چشمه) فيلم مختلف لمخرج مختلف.
وُلد آربي آوانسيان في الأول من شهر إسفند سنة 1320 هـ.ش (فبراير/مارس 1942م) في جلفا بأصفهان، وأتمّ دراسته الابتدائية والثانوية في طهران. منذ طفولته كان مولعًا بإخراج المسرح والسينما، وفي مطلع شبابه كان يكتب النقد والتحليل في صحيفة «آليك». ومن بين هذه الكتابات، كانت تحليلاته لأفلام آرامائيس آقاماليان، وصاموئيل خاشكيكيان، وآرمان أكثر بروزًا، ومن مجموع هذه المقالات كان يمكن إدراك أنّ آربي كان على خلاف مع تيار «الفيلم الفارسي» السائد. ومع عرض فيلم «سياوش في تخت جمشيد»، وهو من أعمال الراحل فريدون رهنما، نشر آربي نقدًا مطولًا في «آليك» كشف بوضوح عن نظرته إلى سينما من نوع آخر.

سافر آربي سنة 1341 هـ.ش إلى إنجلترا لدراسة السينما. وقبل ذلك كان قد تعرّف على شاهين سركيسيان وتعاون معه في إخراج وتصميم مشاهد مسرحياته، وهو ما شكّل مرحلة جديدة في المسار الفني لآربي. وبعد إتمام دراسته الجامعية في مدرسة لندن السينمائية، عاد إلى إيران، وخلال أربع سنوات أنجز ثلاثة أفلام، حمل كل واحد منها تجارب مختلفة له.
كان فيلمه الأول بعنوان «يروانا»، وهو فيلم رسوم متحركة مستوحى من أشعار هوفهانيس تومانْيان، وقد نال سنة 1342 هـ.ش جائزة مهرجان أوبرهاوزن. أما الفيلم الثاني فكان بعنوان «القناع»، وهو فيلم روائي أُنجز سنة 1344 هـ.ش في مدرسة السينما، اعتمادًا على نص لـ غريغور زهراب. أما الفيلم الثالث فكان فيلمًا وثائقيًا مدته 45 دقيقة بعنوان «باليه لندن الملكي»، أُنجز سنة 1345 هـ.ش. وقد وفّرت هذه الأفلام الثلاثة تجارب آربي الأولى في مجالات السينما التحريكية والروائية والوثائقية.
في سنة 1347 هـ.ش أتاح اقتراح التعاون مع التلفزيون الوطني الإيراني فرصة مناسبة لصنّاع الأفلام الشباب، وفي هذا الإطار تم اختيار فيلمين من بين السيناريوهات المقدَّمة إلى إدارة التلفزيون:
فيلم «الهدوء في حضور الآخرين» من تأليف الراحل غلام حسين ساعدي، من إخراج ناصر تقوائي الذي كان يعمل آنذاك في قسم البحوث في التلفزيون الوطني الإيراني وكان موظفًا فيه، وفيلم «النبع» من إخراج آربي آوانسيان، الذي كان في ذلك الوقت يدرّس تحليل الفيلم والنقد وغيرها في المدرسة العليا للتلفزيون.
في تلك الفترة لم تكن شركة تلفيلم قد تأسست بعد، ولذلك تولّى التلفزيون الوطني الإيراني إنتاج هذين المشروعين.
بدأ تصوير فيلم «النبع» سنة 1348 هـ.ش بميزانية نقدية قدرها 150 ألف تومان، خُصِّص منها 100 ألف تومان لأجور الممثلين. بلغ أجر آرمان في هذا الفيلم 50 ألف تومان، وجمشيد مشايخي 25 ألف تومان، ومهتاج نجومي 5 آلاف تومان، وبرويز بورحسيني 5 آلاف تومان. أما المبلغ المتبقي، وقدره 15 ألف تومان، فقد خُصِّص للكومبارس والأدوار الصغيرة.
تولّى نعمت حقيقي التصوير السينمائي، وكان ذلك أول فيلم 35 ملم يصوّره. وقد ذكر نعمت حقيقي في مقابلة أجريتها معه في خريف سنة 1380 هـ.ش في نادي سينما أصفهان أن فيلم «النبع» هو أفضل أعماله في التصوير السينمائي. أما تكاليف السفر، وتسجيل الصوت، وعمليات المكساج، فقد كانت على نفقة آربي آوانسيان.

صُوِّر فيلم «النبع» على يد آربي في مدن أصفهان وطهران وكرج. وأثناء تجواله هنا وهناك بحثًا عن مواقع تصوير الفيلم، اكتشف باغ فردوس؛ مكانًا مهجورًا كان يوجد فيه سابقًا مدرسة، وقد تركته البلدية المحلية لمصيره دون عناية، ولم يكن أحد ينظر إلى باغ فردوس بوصفه أثرًا تاريخيًا.
كان موقع تصوير جزء من فيلم «النبع» — ولا سيما غرفة الجلوس في بيت أستاذ صانع النبع (آرمان)، وكذلك الغرفة الأخرى من منزل الأستاذ التي صُوِّر فيها مشهد وفاته — يقع في باغ فردوس الذي كان قد اكتُشف حديثًا آنذاك.
وعندما عُرض الفيلم، قام المدير العام للتلفزيون باختيار باغ فردوس ليكون مركزًا لنشاطات مهرجان الفنون، وأصبح جزءًا من ممتلكات التلفزيون. وخلاصة القول إن المكان الذي اكتُشف يومًا ما بذريعة فيلم «النبع»، أصبح لحسن الحظ اليوم متحف السينما؛ وهو المكان الذي قدّم فيه غروتوفسكي مسرحية «الأمير الثابت»، كما أجرى فيه بيتر بروك تدريبات مسرحية «أورغاست».