الأب في رواية السينما الإيرانية

الأب في رواية السينما الإيرانية

السينما هي المكان الذي يتجاوز فيه مفهوم الأبوة رابطة الدم، ليتحوّل إلى تضحية لا حدود لها. أحيانًا يتجسّد في صورة شيخٍ صبور، وأحيانًا أخرى في هيئة بطلٍ يواجه العالم بأسره من أجل ابتسامة ابنه…

أفاد الموقع الإخباري لمتحف السينما الإيرانية أن الأب يُوصَف بأنه العمود غير المرئي لكل بيت؛ ذاك الذي نرى ثباته ووقوفه، لكننا لا نرى ارتجاف ركبتيه تحت ثقل أعباء الحياة. وفي عالم السينما الساحر، يظهر هذا القوام الصامد أحيانًا في صورة رجل مسنٍّ صبور، وأحيانًا أخرى في هيئة بطلٍ يتحدّى العالم كله من أجل إسعاد ابنه.

وبمناسبة يوم الأب وذكرى الولادة المباركة لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، وهدفًا إلى إبراز هذه المكانة المقدسة في الثقافة الإيرانية، يستعرض هذا التقرير مجموعة من الأفلام السينمائية التي تناولت مكانة الأب وقدّمت حضورًا مميزًا ومؤثرًا لشخصيته.

كيميا

يُعدّ فيلم «كيميا» من أبرز الأفلام التي تناولت صورة الأب في السينما الإيرانية. يروي الفيلم، من إخراج أحمدرضا درويش، قصة «رضا» الذي جسّد دوره الفنان الراحل خسرو شكيبايي، حيث يقع في الأسر خلال هجوم القوات البعثية، وبعد سنوات طويلة يُفرج عنه ليبدأ رحلة البحث عن ابنته التي وُلدت يوم أسره، وبعد وفاة زوجته عاشت لدى طبيب قام برعايتها.

قدّم شكيبايي في هذا الفيلم أداءً بالغ العمق، عبّر من خلاله عن حسرة دفينة ومشاعر أبوية مليئة بالحب والتضحية، إذ يختار في النهاية أن يمنح ابنته «كيميا» الطمأنينة والاستقرار، ويتنازل عن وجوده في حياتها من أجل سعادتها.

كما ترك شكيبايي صورة سينمائية مؤثرة أخرى للأب في فيلم «الأيدي الخالية» من إخراج أبو القاسم طالبي، حيث أدّى دور أب تحرّر من الأسر لكنه لا يزال أسير تبعات سنوات الحرب، ويواجه بعد عودته إلى أسرته تحديات وأحداثاً جديدة تثقل كاهله. إضافة إلى ذلك، قدّم شكيبايي أداءً لافتاً في فيلم «الأختان الغريبتان»، مجسّداً شخصية أب حنون وداعم لابنتيه، يضطر بعد انفصاله عن زوجته إلى العودة إلى حياته السابقة من أجل أطفاله.

«رائحة قميص يوسف» و«باسم الأب»

يحتلّ الأب موقعاً محورياً في العديد من أفلام المخرج إبراهيم حاتمي‌كيا، غير أنّه قدّم في فيلمين هما «رائحة قميص يوسف» و«باسم الأب» صورتين راسختين للأب في الذاكرة السينمائية. ففي أحدهما نرى أباً فقدت ابنته إحدى ساقيها نتيجة انفجار لغم زرعه هو نفسه إبّان الحرب، وفي الآخر يظهر أب مسنّ ينتظر بفارغ الصبر عودة ابنه الأسير.

ويُعدّ «العم غفور» في فيلم «رائحة قميص يوسف» من أكثر الشخصيات الأبوية حضوراً في ذاكرة أبناء جيلي الستينيات والسبعينيات في إيران. فقد قدّم علي نصيريان أداءً استثنائياً جعل هذه الشخصية خالدة في الوجدان، حيث لم يكن العم غفور أباً لابنه فقط، بل حاول أن يكون أباً للجميع، وتعامل مع «شيرين» التي أدّت دورها نيكي كريمي كما لو كانت ابنته.

ويرى كاتب النص أنّ المشهد الذي يرى فيه العم غفور ابنه «يوسف» المفقود بعينيه، فلا يحتمل الجسد الإنساني هذا الفيض من المشاعر، فتخور قواه وتضعف قدماه، يُعدّ ذروة تجسيد صورة الأب في السينما الإيرانية، وبقي واحداً من أكثر اللحظات تأثيراً وخلوداً في تاريخها.

«باسم الأب»

قدّم برويز برستويي في فيلم «باسم الأب» أداءً لافتًا، حيث يجسّد شخصية رجل قام خلال أيام الحرب بزرع الألغام لصدّ العدو، لكن المفارقة المؤلمة أن ابنته تقع لاحقًا على أحد تلك الألغام أثناء مشاركتها في أعمال تنقيب وحفريات أثرية.وبرهانه على حسّه التمثيلي المعروف، نجح برستويي في تجسيد مشاعر الحزن والعجز التي يعيشها والد حبيبة بصورة مؤثرة وعميقة.

صورة خالصة للأب في ثلاثة أفلام: «الأب»، «لون الله»، و«نشيد العصافير»

قدّم المخرج مجيد مجيدي في أفلامه الثلاثة «الأب» و«لون الله» و«نشيد العصافير» صورة دقيقة وجذابة لمعنى الأبوة. يروي فيلم «الأب»، من بطولة الراحل محمد كاسبي، قصة مختلفة عن حياة مراهق يرفض فكرة وجود زوج أم في حياته.

أما فيلم «لون الله» فيحكي قصة طفل كفيف يدرس في مدرسة خاصة بالمكفوفين، ويعود إلى منزله خلال العطلة. وقد نجح حسين محجوب من خلال أدائه في إبراز التحديات النفسية والإنسانية التي يواجهها والد لطفل كفيف.

كما يقدّم فيلم «نشيد العصافير»، من بطولة رضا ناجي، حكاية أب يفقد عمله، فيسعى جاهدًا إلى القيام بأي عمل ممكن كي لا تعاني عائلته من الفقر والحرمان.

فيلم «حوض الرسم»

أدّى شهاب حسيني في فيلم «حوض الرسم»، من إخراج مازيار ميري، دور رجل يعاني من إعاقة ذهنية. الابن سهيل، على عكس والديه، يتمتع بسلامة عقلية كاملة، ومع مرور الوقت يشعر بالضيق والخجل من الاختلاف بينه وبين والديه. ومن أكثر مشاهد الفيلم تأثيرًا، ذلك المشهد الذي يقف فيه شهاب حسيني تحت نافذة صف سهيل ويخاطبه قائلًا: «سامحني لأنني أصبحت والدك يا سهيل».

فيلم «الدهليز»

يُعد فيلم «الدهليز»، من إخراج بهروز شعيبي وبطولة رضا عطاران، من الأعمال المؤثرة التي نجحت في تقديم صورة مختلفة للأب. تدور أحداث الفيلم حول رجل يرتكب جريمة قتل غير مقصودة في شجار، ثم يُمنح إجازة مؤقتة من السجن بسبب حسن سلوكه. في البداية، تكون علاقته بابنه فاترة وغير مستقرة، لكن مع مرور الوقت يحاول بهزاد التقرب من ابنه وبناء علاقة حقيقية معه. وقد نجح فيلم «الدهليز» في تقديم صورة أب غير مثالي، هشّ وإنساني، ما أسهم في إثارة تعاطف الجمهور وإحساسهم بالمشاركة الوجدانية.

فيلم «آقا يوسف»

في سينما علي رفيعي الزاخرة بالألوان، لا يصرخ آقا يوسف بالحب ولا يفرضه، بل يعيشه. آقا يوسف رمزٌ للآباء النبلاء الذين يقبلون في منتصف العمر بأعمال شاقة قد لا تليق بماضيهم المهني، حفاظًا على استقلال الأسرة وكرامتها. يقضي نهاره كاملًا في العمل داخل بيوت الآخرين، لكن همه الأكبر هو ألا يعود إلى منزله وقد علَت ملامحه آثار التعب، كي لا تتكدّر خاطر ابنته رعنا. إنه أبٌ يعيش بأذنيه؛ رجلٌ يبحث بين جدران البيوت التي ينظفها عن سماع رائحة السعادة لابنته.

غير أن مأساة آقا يوسف تبدأ عندما يتصدّع جدار ثقته الهش، ويجد نفسه في موقفٍ يُجبره على الاختيار بين «إيمانه القلبي بابنته» و«الواقع الخارجي المرير». يقدّم مهدي هاشمي في هذا الفيلم صورة أبٍ لا يفقد نُبله حتى في ذروة انهياره الداخلي؛ أبٌ ينكسر في صمت، لكنه لا ينهار. فيلم «آقا يوسف» هو احتفاء بالآباء الذين تُعرَّف هويتهم بالكامل من خلال الحرص على مصلحة أبنائهم؛ أولئك الذين قد لا يُرَون في صخب المدينة، لكنهم الأعمدة الأخلاقية لبيوتٍ ما زال للحرمة فيها معنى.

فيلم «ابنة»

فيلم «ابنة» من إخراج رضا ميركريمي، وإن كان يتناول معاناة ومشكلات الفتيات الشابات، إلا أنه يشير بدقة وعمق إلى تعقيدات العلاقة بين هذا الجيل وآبائهم. يجسّد فرهاد أصلاني في الفيلم جانبًا هشًا من شخصية الأب، جانبًا نادر الظهور في السينما، بدءًا من صرامته في التعامل مع ابنته الشابة، وصولًا إلى لحظة يُدخِل فيها المشاهد إلى عالمه الداخلي، كاشفًا مخاوفه وقلقه دون مواربة.

وفي فيلمي «زقاق بلا اسم» و«لعبة النجوم» من إخراج هاتف عليمرداني، حيث أدّى أصلاني أيضًا دور الأب، نرى مواجهات مباشرة بين الآباء والأبناء، وندرك أن معاناة الآباء لا تقل قسوة عن التجارب الصعبة التي يمر بها الأبناء. يُعد «ابنة» من الأفلام المتميزة في بناء الأجواء، إذ ينجح ميركريمي في تصوير المشاعر والعلاقات بمهارة، كما أن الإحساس الذي تنقله الألوان والإضاءة في مشاهد الفيلم يُعد من أبرز نقاط قوته.

نماذج الأب في السينما الإيرانية: حضور إنساني متنوّع ومؤثّر

قدّم أصغر فرهادي في فيلمه «انفصال نادر عن سيمين» صورة مختلفة للأب الشاب، أب يختلف كثيرًا عن الجيل السابق، يسعى إلى منح ابنته الاستقلال، وتتشكل علاقته بها بأسلوب أكثر حداثة، ما يفضي إلى تواصل أفضل بينهما. 

شخصية نادر، التي جسّدها بيمان معادي، حملت في آنٍ واحد دورَي الأب والابن، وكانت من الأدوار الراسخة في الذاكرة السينمائية. اهتمام نادر بوالده وكذلك بابنته عُرض بجدية واضحة، بما يعكس المكانة الخاصة للأسرة والصدق داخل العائلة الإيرانية. ويظهر نادر محبًا لوالده إلى حدّ يمكن القول معه إن حياته الزوجية تُضحّى بها في سبيل هذا الارتباط الأبوي العميق.

وفي فيلم «شجرة الجوز» للمخرج محمد حسين مهدويان، يقدّم بيمان معادي أداءً لافتًا آخر من خلال شخصية «قادر مولان‌بور»، في واحد من أبرز أدوار الأب في السينما الإيرانية. يستند الفيلم إلى قصة حقيقية ومأساوية لرجل يفقد عائلته خلال القصف الكيميائي لمدينة سردشت. لم يبخل المخرج في استدعاء المشاعر الإنسانية، فصوّر رجلًا عاشقًا لعائلته، ينحني مرارًا تحت وطأة المصائب لكنه ينهض في كل مرة لمواصلة الطريق. وقدّم معادي صورة مؤثرة للتضحية وحب الأب، تضاهي في تأثيرها أفضل الأفلام التي تناولت حنان الأمهات.

أما فيلم «لدينا ضيف» للمخرج محمد مهدي عسكربور، فيتناول دور الأب من زاوية أخرى مؤثرة. تدور الأحداث حول أب وأم مسنين فقدا ثلاثة من أبنائهما شهداء، فيما الابن الرابع مصاب بإعاقة دائمة. يعيشان في منزل قديم مهجور ويرفضان الانسياق وراء مشاريع البناء الحديثة التي اتبعها الجيران. ويمكن النظر إلى هذا البيت بوصفه رمزًا للتقاليد في مواجهة الحداثة. هذا الأب يعيش حالة انتظار دائم، انتظار شخص فريد لا يشبه أحدًا، وبذات الإيمان يرحل إلى عالم آخر ليلتحق بـ«أسماكه» الرمزية.

وفي فيلم «الملائكة يأتون معًا» للمخرج حامد محمدي، تُعرض حياة زوجين شابين رُزقا بثلاثة توائم. يجسّد جواد عزتي دور الأب، وهو طالب علوم دينية يبذل جهدًا كبيرًا لتأمين لقمة العيش، فيدخل قلوب المشاهدين بمحاولاته المتواصلة وتضحياته اليومية. ويُعد هذا الدور من أكثر أدوار الأب صعوبة في السينما الإيرانية، لما يحمله من مسؤوليات وضغوط إنسانية كبيرة.

إلى جانب هذه الأعمال، قدّمت السينما الإيرانية أفلامًا أخرى صوّرت الآباء من زاوية تصادمية مع الأبناء، كاشفة هشاشتهم وضعفهم الإنساني. ويُعد فيلم «بيت على الماء» للمخرج بهمن فرمان‌آرا من أبرز هذه النماذج. يروي الفيلم قصة الدكتور سبيدبخت، الذي يؤدي دوره رضا كيانيان، وهو رجل منغمس في ملذاته الخاصة، ليواجه عودة ابنه الوحيد «ماني» إلى إيران وهو يعاني من الإدمان، فتتعاقب الأزمات.

ويحضر في الفيلم أب آخر أدّاه الراحل عزت الله انتظامي، ورغم قصر ظهوره، كان تأثيره بالغًا. جسّد انتظامي أبًا مسنًا أودعه ابنه دار رعاية، ويطلب منه العودة إلى البيت، غير أن الابن يستعيد ماضيه مع والد مستبد، ما يفسر رفضه لهذا الطلب. يكشف الفيلم عن سلسلة من الأجيال التي لم يكن الآباء والأبناء فيها عونًا لبعضهم، بل قصّر كل طرف في حق الآخر.

ويُذكر أن عزت الله انتظامي قدّم أيضًا دورًا أبويًا مميزًا في فيلم «الوشاح الأزرق»، حيث يقع في حب امرأة شابة ويواجه معارضة أبنائه لقراره بالزواج، ليجد نفسه أمام تحدٍ إنساني واجتماعي كبير.