وبحسب تقرير لموقع متحف السينما الإيرانية، يرى الباحث كوروش ديباج أن السينما في أصفهان، ولا سيما في منطقة جهارباغ عباسي، لم تكن مجرد ظاهرة ثقافية وترفيهية، بل مثّلت رمزاً للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية التي شهدتها المدينة بعد العصر القاجاري. فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى خمسينياته، تحولت جهارباغ إلى مركز رئيسي لانتشار دور السينما، حيث كان يعمل نحو 12 دار عرض، لعبت دوراً اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً بارزاً. وأسهمت هذه السينمات في خلق فضاءات للتفاعل الاجتماعي وتبادل الأفكار وتعزيز الهوية الحديثة، خصوصاً بين العمال والشباب والطبقات الوسطى.
ومن بين أشهر دور السينما في تلك الفترة: «ماياك»، «سباهان»، «إيران نو» و«مولان روج»، التي لم تكن مجرد أماكن لعرض الأفلام، بل ساحات لطرح القضايا الاجتماعية والسياسية الجديدة.
نافذة على العالم الحديث
وقال الباحث في التاريخ الشفهي للسينما في أصفهان، سيد مهدي سجادزاده، إن منطقة جهارباغ عباسي كانت تضم حتى أربعينيات القرن الماضي نحو 12 دار سينما، بعضها اندثر نتيجة تغيّر الملكية أو التحول إلى أنشطة أخرى. وأوضح أن إدارة السينما كانت نشاطاً خاصاً، وأن مالكي هذه الدور كانوا غالباً من أصحاب الثروات.
وأضاف أن العصر الذهبي للسينما في أصفهان يعود إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حيث كانت قاعات السينما مكتظة بالجمهور، خاصة مع انتشار الأفلام الأجنبية والهندية التي حظيت بشعبية واسعة. كما أشار إلى وجود سينمات صيفية مفتوحة وأخرى شتوية مغلقة، اختفى معظمها اليوم.
وتناول سجادزاده تاريخ عدد من السينمات البارزة، مثل «إيران نو» التي تأسست عام 1931، و«مولان روج» التي افتُتحت عام 1966، موضحاً أن كثيراً من دور السينما أُغلقت أو تحولت إلى مراكز تجارية وثقافية بسبب مشكلات الملكية أو التحولات السياسية بعد الثورة الإيرانية.

جهارباغ: من حدائق صفوية إلى مركز للحداثة
من جانبها، أكدت الباحثة نفيسة باقري أن تاريخ شارع جهارباغ لا يمكن فهمه دون دراسة مسار السينما فيه، مشيرة إلى أن الشارع الذي كان في العصر الصفوي مكاناً لنزهة النخب، تحوّل تدريجياً إلى مركز لاستقبال مظاهر الحداثة، وعلى رأسها السينما.
وأضافت أن السينما لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المحور الحضري، وأن انتشار دور العرض امتد من منطقة بوابة الدولة حتى ضفاف نهر زاينده رود، مع بناء آخر سينما في تلك الفترة وهي «شهرفرنغ» (قدس حالياً)، التي اعتُبرت من أهم دور السينما وأكثرها تطوراً.

السينما بين السياسة والمجتمع
وأوضحت باقري أن السينمات في بداياتها كانت تعرض أفلاماً تعليمية وإخبارية ودعائية، قبل أن تتأثر بالمنافسة بين القوى الأجنبية خلال فترة الاحتلال المتحالف (1941–1948)، حيث كانت بعض الدور تعرض أفلاماً سوفياتية وأخرى بريطانية، قبل أن تهيمن الأفلام الأميركية لاحقاً.
كما أسهم انتشار السينما في خلق وظائف جانبية عديدة، مثل بيع الملصقات والأشرطة الموسيقية وإدارة المقاهي، وشكّل فضاءً اجتماعياً جديداً للعمال والشباب والنساء.
تحولات اجتماعية وانتهاء مرحلة
بدوره، اعتبر الباحث الاجتماعي فرزاد نوابخش أن تركّز السينمات في جهارباغ يعكس التحولات العميقة في البنية الاجتماعية والحضرية لأصفهان، حيث تحولت دور السينما إلى رموز للحداثة ومساحات للتفاعل الاجتماعي وتشكيل الهويات الجديدة.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة جاءت نتيجة تغيرات اقتصادية واجتماعية، مثل نمو السكان وتغير أنماط الحياة وتوسع صناعة الترفيه، مؤكداً أن السينما لعبت دوراً مهماً في تشكيل الهوية الحضرية للمدينة.
وفي الختام، يرى الباحثون أن دراسة تاريخ سينمات أصفهان، ولا سيما في شارع جهارباغ، تمثل مفتاحاً لفهم استمرارية أو انقطاع الهوية الحضرية للمدينة في مواجهة التحولات السياسية والحضارية التي شهدتها إيران المعاصرة، وأن توثيق هذه التجربة الثقافية يشكّل جزءاً أساسياً من حفظ الذاكرة التاريخية للمدينة.