علي نصيريان… عميد السينما والمسرح الإيراني

علي نصيريان… عميد السينما والمسرح الإيراني

يُعدّ الفنان الإيراني الكبير علي نصيريان واحدًا من أبرز أعمدة السينما والمسرح والتلفزيون في إيران، ورمزًا فنيًا كرّس عمره بالكامل لفن التمثيل بوصفه رسالة إنسانية وثقافية عميقة. وُلد نصيريان في 15 فبراير/شباط 1935 في طهران، ومنذ طفولته انجذب إلى الفنون الأدائية عبر مشاهدته للتعزية والمسرح الشعبي والعروض التقليدية مثل الحكواتي وخيال الظل، وهي تجارب شكّلت وعيه الفني المبكر.

التحق في شبابه بالمعاهد المسرحية الأولى في إيران، ودرس التمثيل دراسة أكاديمية في معهد فن التمثيل الذي كان آنذاك المدرسة الرسمية الوحيدة للمسرح في البلاد. هناك تعلّم أسس الأداء المسرحي عبر أساتذة كبار، وكان التعليم قائمًا على التجربة المباشرة ونقل المعرفة من جيل إلى جيل، مما أسهم في ترسيخ مفهوم المسرح الإيراني الحديث في ذهنه.

منذ خمسينيات القرن الماضي، بدأ نصيريان نشاطه المهني في التمثيل والكتابة المسرحية، وكان من الأعضاء المؤسسين لـ فرقة الفن القومي الإيراني. كتب أكثر من عشر مسرحيات، ويُعد مع أسماء بارزة مثل بهرام بيضائي وأكبر رادي وغلام حسين ساعدي من أهم كتّاب المسرح باللغة الفارسية. وفي عام 1956 نال الجائزة الأولى في مسابقة التأليف المسرحي عن مسرحيته «البلبل التائه».

دخل عالم السينما عبر فيلم «البقرة» للمخرج الراحل داريوش مهرجويي، وهو أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، قدّم أدوارًا خالدة في السينما والتلفزيون، من أبرزها:

«ناخدا خورشيد»، «هزاردستان»، «ساعي البريد»، «رائحة قميص يوسف»، «الثمرة المحرمة»، و«شهرزاد»، حيث عُرف بقدرته الفريدة على تجسيد الشخصيات المركّبة ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية العميقة.

في مسيرته الطويلة، نال نصيريان العديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها اختياره شخصية خالدة في فن التمثيل ومنحه الوسام الفني من الدرجة الأولى. وفي سن 88 عامًا، فاز بجائزة أفضل ممثل دور أول في مهرجان فجر السينمائي عن فيلم «سبعة ينابيع للبرتقال»، ليصبح أكبر فائز بهذه الجائزة في تاريخ المهرجان، بعد أن سبق له الفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد عن فيلم «المهرج».

يرى علي نصيريان أن التمثيل من أصعب المهن في العالم، إذ يتطلب تركيزًا نفسيًا وفكريًا عاليًا، ومعرفة اجتماعية وإنسانية عميقة. ويؤكد أن الممثل ليس مجرد منفّذ لرؤية المخرج، بل هو فنان خلاق ومؤلف يكتب الدور بأدائه وصوته وجسده وخياله. كما يولي أهمية كبرى للقراءة والبحث والدراسة المستمرة، مشددًا على أن التخيل هو القلب النابض لأي أداء صادق ومؤثر.

ويؤمن نصيريان بأن العلاقة بين الممثل والجمهور هي جوهر المسرح والفن عمومًا، إذ تقوم على تواصل إنساني حيّ وتبادل فكري وشعوري مباشر. كما يعبّر عن تقديره العميق للأدب الفارسي الكلاسيكي، ولا سيما شعر حافظ الشيرازي، الذي يراه نموذجًا للشعر الصادق المقاوم للنفاق والرياء.

وفي حديثه عن الجيل الجديد، يؤكد أن السينما والمسرح الإيرانيين اليوم يشهدان تطورًا كبيرًا، وأن الشباب يمتلكون طاقات معرفية وإبداعية أوسع بفضل سهولة الوصول إلى المعلومات. ويشجعهم على عدم الخوف من الفشل، معتبرًا أن الإبداع الحقيقي يشبه الماء؛ يشق طريقه مهما وُضعت أمامه العوائق.

ويختم علي نصيريان مسيرته برسالة واضحة:إذا كان الحب الحقيقي للفن يسكن الإنسان، فعليه أن يواصل العمل بلا يأس، لأن مستقبل الفن في أيدي الشباب، ولأن الصدق والاجتهاد هما الطريق الوحيد لخلق أثر إنساني باقٍ.