وبحسب موقع متحف السينما الإيرانية، قطعت السينما الإيرانية مسيرة طويلة، حافلة بالقصص المؤلمة والجميلة، من شوارع طهران المزدحمة إلى منصة الأوسكار العالمية.
ويُعدّ الأوسكار محطة رمزية بارزة لتعريف العالم بالسينما الوطنية.حتى اليوم، فازت إيران بالجائزة ثلاث مرات: مرتين عبر أصغر فرهادي عن فيلمي «انفصال نادر عن سيمين» و**«البائع»** (فروشنده)، ومرة ثالثة عن فيلم الرسوم المتحركة القصير «في ظل السرو» (در سایه سرو) في حفل عام 2025. ويأتي هذا الإنجاز في وقت لم تتمكن فيه دول عديدة تمتلك صناعات سينمائية معتبرة من نيل ترشيح للجائزة.
البدايات الأولى ومحاولات الحضورمنذ انطلاق جوائز الأوسكار عام 1929، سعت إيران إلى تقديم أعمالها على الساحة العالمية، غير أن حضورها الرسمي بدأ لاحقًا مع إرسال أفلام للمشاركة في فئة أفضل فيلم أجنبي.سبعينيات القرن الماضيأُرسل فيلم «الغزلان» (گوزنها) للمخرج مسعود كيميائي عام 1974 إلى الأوسكار.
ورغم عدم ترشيحه، شكّل خطوة مهمة للتعريف بالسينما الإيرانية.التسعينيات والانطلاقة الفعليةبعد 23 عامًا، أُرسل فيلم «أطفال السماء» (بچههای آسمان) للمخرج مجيد مجيدي عام 1997، ليصبح أول فيلم إيراني يُرشَّح رسميًا لجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية، وإن لم يفز بها.
عقد الألفية الجديدة
شهدت هذه الفترة بروز أسماء إيرانية لامعة عالميًا، من بينها عباس كيارستمي وجعفر بناهي.فيلم «الدائرة» (دایره) لجعفر بناهي أُرسل عام 2000، ولم يُرشَّح لكنه حصد جوائز دولية أخرى.فيلم «المطر» (باران) لمجيد مجيدي أُرسل عام 2001 دون أن يبلغ القائمة النهائية.
من 2010 إلى 2025… ذروة الإنجاز
اتبلغت السينما الإيرانية أوج حضورها العالمي في العقد الثاني من الألفية:«انفصال نادر عن سيمين» (2011) – فاز بالأوسكار عام 2012.«البائع» (2016) – فاز بالأوسكار عام 2017، ليمنح أصغر فرهادي ثاني تمثال ذهبي له.«في ظل السرو» (2025) – فاز بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة قصير.
أفلام أُرسلت أو رُشحت دون فوز
«عن إيلي» (درباره الی) لأصغر فرهادي أُرسل عام 2009 دون أن يصل إلى القائمة النهائية.«القراءة» (كتابخوانی) لجعفر بناهي رُشح في أوسكار 2015، لكنه لم يفز بالجائزة.

«انفصال نادر عن سيمين»… أول أوسكار لإيران
يُعدّ «انفصال نادر عن سيمين» عملاً واقعيًا يروي دراما عائلية تدور حول زوجين يواجهان أزمات اقتصادية وأخلاقية واجتماعية تقودهما إلى الانفصال.
وقد حصد الفيلم إشادة واسعة بفضل نصّه المتماسك وأداء ممثليه ومعالجته العميقة لقضايا إنسانية وأخلاقية.
وفي حفل الدورة الـ84 للأوسكار، قال فرهادي في كلمته: «أهدي هذه الجائزة بفخر إلى شعب بلدي، شعب يسعى إلى السلام والصداقة رغم كل العداء والخصومات».

كما نال الفيلم جوائز مرموقة في مهرجانات دولية، بينها مهرجان برلين السينمائي الدولي، إضافة إلى فوزه بجائزة جائزة الغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي.
وبهذا، أصبحت إنجازات الأوسكار علامة فارقة في مسيرة السينما الإيرانية، التي تواصل حضورها العالمي بخطى ثابتة، مؤكدة قدرتها على المنافسة في أكبر المحافل السينمائية الدولية.
«البائع» (2016)… الأوسكار الثاني لإيران
بعد خمسة أعوام من الفوز الأول، عاد أصغر فرهادي ليحصد جائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية عن فيلمه «البائع» (فروشنده). وتدور أحداث الفيلم حول حياة زوجين يعملان في المسرح، ينتقلان إلى منزل جديد قبل أن يتعرّضا لحادثة مؤلمة تقلب حياتهما رأسًا على عقب. ويتناول العمل بعمق مسألة الحقوق الفردية والاجتماعية، ويركّز على الآثار النفسية المترتبة على الحوادث والصدمات.
وفي الدورة التاسعة والثمانين من جوائز الأوسكار عام 2017، فاز «البائع» بالجائزة، غير أن فرهادي قاطع الحفل احتجاجًا على سياسات الهجرة التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي آنذاك.
وقامت رائدة الفضاء الإيرانية أنوشه أنصاري بقراءة رسالته التي قال فيها: «أعتذر لعدم حضوري بينكم اليوم. غيابي هو احترام لشعب بلدي ولشعوب ست دول أخرى مُنعت من دخول الولايات المتحدة بسبب قوانين غير عادلة».
وأشاد النقاد ببنية الفيلم السردية المعقّدة، والأداء القوي للممثلين، ومعالجته الدقيقة للأبعاد الأخلاقية والنفسية.
وإلى جانب الأوسكار، نال فرهادي جائزة أفضل سيناريو من مهرجان كان السينمائي عن هذا العمل.

«في ظل السرو» (2025)… ثالث أوسكار لإيران وإنجاز للرسوم المتحركة
شكّل عام 2025 محطة بارزة في تاريخ سينما الرسوم المتحركة الإيرانية، إذ فاز فيلم الرسوم المتحركة القصير «في ظل السرو» (در سایه سرو) للمخرجين شيرين سوهاني وحسين ملايمي بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة قصير.
ويتميّز العمل بقصته الشاعرية المؤثرة التي تحمل في عمقها مضامين إنسانية واجتماعية متعددة.وفي الدورة السابعة والتسعين من جوائز الأوسكار، أصبح «في ظل السرو» أول فيلم رسوم متحركة إيراني يفوز بالأوسكار، ما لفت أنظار العالم إلى تطور هذا الفن في إيران.
وفي كلمتهما، وجّه المخرجان الشكر إلى كانون پرورش فکری کودکان و نوجوانان (مركز تنمية الفكر للأطفال والناشئة)، وأهديا الجائزة إلى جميع الفنانين المستقلين في إيران.وأشاد النقاد بجودة الفيلم البصرية العالية، وسرده الشاعري، ورسائله الإنسانية، معتبرين إياه عملًا يستحق الأوسكار، ومؤشرًا واضحًا على تطور سينما الرسوم المتحركة الإيرانية عالميًا.
السينما الإيرانية…مسيرة مستمرة
واصلت السينما الإيرانية تألقها عالميًا بفضل مخرجين بارزين مثل عباس كيارستمي ومجيد مجيدي وأصغر فرهادي. ورغم التحديات الاجتماعية والسياسية، استطاعت هذه السينما أن تثبت قدرتها على تقديم قصص إنسانية ذات بعد عالمي.إن الفوز بثلاث جوائز أوسكار ليس سوى جزء من سجل إنجازات السينما الإيرانية. فقد برهن صُنّاعها، من خلال تركيزهم على السرد الإنساني العميق والقضايا الاجتماعية المعقّدة، أن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة فاعلة لنقل الرسائل الثقافية والإنسانية. وتؤكد هذه النجاحات أن السينما الإيرانية رسّخت مكانتها عالميًا، سواء في الدراما الاجتماعية أو أفلام الرسوم المتحركة، في مسيرة ما تزال متواصلة نحو آفاق أوسع.