في الدقائق الأولى، يقدّم الفيلم صورة دقيقة ومقنعة نسبيًا عن أجواء مدينة آبادان المضطربة في أواخر أربعينيات القرن الماضي. ويظهر الصراع بين القوى القومية وأنصار حزب توده، إلى جانب حضور شركة النفط والتوترات الاجتماعية، بشكل واضح في خلفية الأحداث، ما يعكس مستوى مقبولًا من البحث والتحضير لدى صُنّاع العمل.في هذا السياق، يتم تقديم شخصية حسن جعفري، الموظف الشاب المنخرط في تعقيدات سياسية، والذي يجد نفسه تدريجيًا في قلب لغز جنائي وسياسي.تتمثل إحدى نقاط قوة الفيلم في اختياره لموضوع يحمل بطبيعته جاذبية درامية، حيث إن قضية مقتل أحمد دهقان، بما تنطوي عليه من تشابكات سياسية وعلاقات خفية وغموض في الدوافع، تتيح إمكانية بناء سرد مشوق ومتعدد الأبعاد.
وقد نجح جوزاني في تفعيل هذه الإمكانية، خاصة حتى منتصف الفيلم.تسير الأحداث بإيقاع مقبول نسبيًا، وتدفع العقد الدرامية المشاهد لمتابعة القصة، إلا أن أحد أبرز التحديات يكمن في البنية السردية. فمدة الفيلم الطويلة، التي تصل إلى نحو 140 دقيقة، تتحول تدريجيًا إلى عنصر مُرهق في ظل غياب المعالجات الدرامية الكافية.
وعلى عكس بعض الأفلام الطويلة التي تحافظ على تماسكها عبر تنوع السرد وتعقيده، يؤدي التمدد هنا إلى تشتيت الأحداث بدل تعميقها.ويظهر هذا التشتت بشكل أوضح في بناء الشخصيات، حيث يقدم الفيلم عددًا كبيرًا من الشخصيات الثانوية، يفقد بعضها—خاصة في النصف الثاني—دوره الواضح في تطور الأحداث.
كما أن العلاقات العاطفية، ومنها علاقة حسن جعفري بالنساء في حياته، تبقى غير مكتملة ولا تحظى بالتطوير الكافي. كذلك، لا يتم دمج خط قصة شقيقه المطارد بشكل متماسك ضمن النسيج العام.
وعلى مستوى أوسع، يتردد الفيلم في الإجابة عن سؤاله المحوري: هل كان حسن جعفري ضحية مؤامرة سياسية أم طرفًا واعيًا في مخطط مدبّر؟ فبدل التركيز على هذا السؤال، ينحرف السرد أحيانًا إلى مسارات جانبية بإضافة شخصيات وأحداث جديدة، ما يضعف تماسك العمل، خصوصًا في الفصل الأخير الذي يشهد إدخال عناصر دراما المحاكم دون تمهيد كافٍ.

ورغم هذه الملاحظات، لا يمكن إغفال الجوانب الإيجابية. فعلى الصعيد التقني، يُعد الفيلم مقبولًا، حيث ساهم تصميم الديكور والأزياء في إعادة خلق الأجواء التاريخية، كما لعبت الموسيقى والمؤثرات الصوتية دورًا في تعزيز الإحساس العام.
ويُظهر جوزاني خبرته في التعامل مع السينما التاريخية، خاصة في بناء الأجواء.أما على مستوى التمثيل، فيعاني العمل من عدم تجانس واضح؛ إذ يقدّم بعض الممثلين، خصوصًا في الأدوار الثانوية، أداءً مناسبًا، في حين تبدو بعض الاختيارات غير منسجمة مع طبيعة الشخصيات، مما يؤثر على قوة التأثير الدرامي.في المجمل، يمكن اعتبار «جنة المجرمين» محاولة جديرة بالاحترام لتناول التاريخ الإيراني المعاصر سينمائيًا.
ورغم حاجته إلى قدر أكبر من التركيز والتماسك، فإنه يعكس استمرار اهتمام مخرجه بتناول محطات تاريخية مهمة. الفيلم ليس عملًا ناجحًا بالكامل، لكنه تجربة متوسطة القيمة تحمل أهمية، وقد تفتح الباب أمام اهتمام أوسع بالموضوعات التاريخية المعقدة في السينما الإيرانية