وفقاً لتقرير نشره الموقع الإخباري لمتحف السينما الإيراني، كانت مدينة عبادان في عقد 1340 هجري شمسي (الستينيات الميلادية) تمتلك 28 دار عرض عامة كبيرة لسكانها البالغ نصف مليون نسمة، وهو أعلى معدّل بين المدن الإيرانية. وبالمقارنة مع نسبة السكان، كان عدد دور السينما في عبادان آنذاك أكبر حتى من طهران.
فطهران التي كان عدد سكانها 7 ملايين نسمة كانت تضم حوالي 80 دار سينما، ليصل العدد إلى أكثر من مئة دار في نهاية ذلك العقد.
أما قصّة دور السينما المتنقّلة في عبادان، التي تعد الأولى من نوعها في إيران، فتعود إلى أوائل عقد 1330 هجري شمسي (أوائل الخمسينيات)، حين كان عدد دور السينما العامة في عبادان قليلاً.
هذه السينمات التي كانت شركة النفط تديرها، كان وضعها مختلفاً كما هو واضح من اسمها، وكذلك وظيفتها. تمثلت مهمتها الرئيسية في التوعية العامة في مجالات مختلفة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وتعليمياً. وكانت جميع الأفلام المعروضة صامتة تقريباً، أو مع ترجمة بالإنكليزية كحد أقصى، وأثناء العرض كان أحد القائمين على التشغيل يشرح الأحداث باللغة الفارسية عبر مكبّر صوت يدوي.وخلافاً للاعتقاد السائد، لم تكن السينمات المتنقّلة تعرض أفلاماً روائية، بل اقتصرت مهامها العامة على الفئات التالية:
أولاً: عرض أفلام قصيرة إخبارية، مثل سفر المسؤولين لتفقد المحافظات أو افتتاح المنشآت النفطية في عبادان.
ثانياً: تعريف الناس بإشارات وقواعد المرور، خصوصاً تنسيق حركة الحيوانات من قبل أصحابها لعبور الشوارع والطرقات بأمان.
ثالثاً: تقديم أفلام تعليمية قصيرة، مثل دور بعوضة الأنوفيل في نشر الأمراض الموسمية عبر الجداول المائية في بساتين النخيل حول عبادان، والتي تسببت بأمراض معدية كالكوليرا والملاريا. وكذلك أفلام قصيرة مبسطة عن ظهور فطريات القوباء وطرق الوقاية منها، وأحياناً كيفية مراجعة المراكز العلاجية التابعة لشركة النفط.
بدأت السينمات المتنقّلة باستخدام سيارات جيب صغيرة تجول في الأحياء. كانوا يحملون الشاشة ملفوفة فوق السيارة، وجهاز العرض داخل الجيب، وعند العثور على مكان وزمان مناسبين، تُثبّت الشاشة ويُسلّط جهاز العرض الضوء عليها من داخل الجيب. كانت تعمل عادةً عند الغسق في المناطق المزدحمة، والسبب الرئيسي هو انخفاض شدة الضوء لرؤية الفيلم بوضوح، إذ كان العرض نهاراً مستحيلاً عملياً في ظل شمس إيران القوية.
يمكن القول إن السينما المتنقّلة كانت بهذا الشكل خاصّة بعبادان وبعض المدن المجاورة كمسجد سليمان، مع أن السينمات المتنقّلة استُخدمت لاحقاً بشكل متفرّق وبأهداف تعليمية ودعائية من قبل مؤسسات حكومية في مناطق مختلفة من البلاد.

في النوع المتطوّر من السينمات المتنقّلة، كما ترون في الصور، كانت شاشة العرض تُثبّت كسقف متحرّك فوق شاحنة، وبعد العثور على مكان مناسب كان السائق يُنزل هذا السقف بشكل منزلق ليرتكز على جسم الشاحنة، ثم يُخرج جهاز العرض من الشاحنة ليُسلّط الضوء على الشاشة. أما في الموديلات الأقدم التي لم تصل إلى عبادان لكنها كانت منتشرة في الخارج، فكانت السينما المتنقّلة عبارة عن دراجة ثلاثية كبيرة، ذات شاشة عرض ثابتة صغيرة بأبعاد 1×2 متر تقريباً، ويُسلّط جهاز العرض الضوء من الخلف على الشاشة الشفّافة، وكانت أشبه بخليط بين (صندوق العجائب) والسينما. وبعد انتهاء العرض، يُسدل مصراع صغير لحماية الشاشة.

مع الزيادة النسبية لدور السينما في عبادان، بدأت السينمات المتنقّلة بالتراجع، لأن نسخاً من أفلامها أُعطيت لدور السينما الثابتة لتعرض كمقدّمة للفيلم الرئيسي. وفي أواخر عقد الأربعينيات هجري شمسي (أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات)، ومع دخول التلفزيون بأنواعه وانتشاره بين العائلات، تقلّص نشاط السينما المتنقّلة تدريجياً حتى انتهى تماماً في نهاية ذلك العقد، لترحل إلى المتاحف للأبد.(المصدر: متحف ووثائق صناعة النفط الإيرانية)