كيف تحولت كربلاء إلى واحد من أخلد الموضوعات؟

كيف تحولت كربلاء إلى واحد من أخلد الموضوعات؟

كربلاء في السينما والتلفزيون الإيراني.. رحلة أربعة عقود من الهام لا ينضب

شكلت واقعة عاشوراء وملحمة كربلاء، على مدى أربعة عقود مضت، واحداً من أهم منابع الإلهام للسينما والتلفزيون. بدءاً من فيلم "السفير" كأول تجربة جادة للسينما الإيرانية بعد الثورة في تصوير كربلاء، مروراً بـ "يوم الواقعة"، و"مختار نامه"، و"الليلة العاشرة" ..

وفقاً لما أوردته وكالة "متحف السينما الإيرانية" الإخبارية، فإن تصوير عاشوراء في السينما والتلفزيون واجه دائماً تحديات خاصة. فمن جهة، عظمة الحدث التاريخي والديني لكربلاء، ومن جهة أخرى، القيود المفروضة على تمثيل الشخصيات المقدسة، دفعت المخرجين إلى تبني روايات غير مباشرة.

ولهذا السبب، فإن جزءاً كبيراً من الأعمال العاشورائية في إيران لم تصور حدث عاشوراء نفسه، بل صورت شخصيات هامشية، وتبعاته التاريخية، وطقوس العزاء، وتأثير هذه الواقعة على حياة الناس.

في الواقع، فإن أهم أعمال هذا المجال غالباً ما وُلدت من "هوامش كربلاء"، وهي هوامش كانت في بعض الأحيان مؤثرة وخالدة مثل المتن نفسه.

بمناسبة حلول شهر محرم، استعرضنا بعض الأعمال التي أُنتجت في هذا المجال.

---بداية الطريق: "السفير" وأول صورة سينمائية لكربلاء

في السنوات الأولى بعد الثورة، لم تكن السينما الإيرانية قد خاضت بعد تجربة في المعالجة المباشرة لعاشوراء. في مثل هذه الظروف، خطا فريبرز صالح الخطوة الجادة الأولى بفيلمه "السفير"، الذي عُرف لاحقاً بأنه حجر الأساس للسينما العاشورائية في إيران.

قصة إنتاج "السفير" تشكل جزءاً من أهميته. كان السيناريو الأولي لـ كيهان رهگذر عبارة عن عمل قصير، لكن مع إعادة الكتابة والتطوير، تشكل مشروع كبير تم إنتاجه بميزانية ضخمة لتلك الفترة. استغرق التصوير أكثر من سبعة أشهر، مما جعل "السفير" واحداً من أولى الإنتاجات الضخمة للسينما الإيرانية بعد الثورة.

يروي الفيلم قصة قيس بن مسهر، رسول الإمام الحسين (ع)، الذي يحمل رسالة إلى أهل الكوفة، لكنه يقع في أيدي قوات ابن زياد قبل تنفيذ مهمته. ورغم الضغوط التي يمارسها حكام الكوفة، يرفض التنصل من الإمام، ويفدي بحياته.

ورغم أن "السفير" يبدو عملاً بسيطاً من حيث الإمكانيات التنفيذية اليوم، إلا أن نموذجه السردي، أي رواية واقعة كربلاء من زاوية شخصية ثانوية، تحول لاحقاً إلى واحد من أهم أساليب السرد في الأعمال العاشورائية.

التحفة الخالدة: "يوم الواقعة"

إذا كان "السفير" هو بداية الطريق، فإن "يوم الواقعة" يُعتبر ذروة السينما العاشورائية الإيرانية. كتب بهرام بيضائي سيناريو هذا العمل قبل أكثر من عقد من إنتاجه. نص لا يزال الكثيرون يعتبرونه واحداً من أفضل السيناريوهات في تاريخ السينما الإيرانية. لكن مسار إنتاج الفيلم كان صعباً للغاية، وتاه المشروع لسنوات بين التوقف وإعادة الكتابة وتغيير الطاقم، حتى تمكن أخيراً شهرام أسدي من إنجازه.

يروي "يوم الواقعة" قصة عبد الله، شاب مسيحي اعتنق الإسلام حديثاً، ويسمع في يوم زفافه نداءً غيبياً. ينطلق في رحلة طويلة للعثور على صاحب هذا الصوت، لينضم إلى الإمام الحسين (ع)، لكنه يصل إلى كربلاء بعد انتهاء الواقعة.

تكمن قوة الفيلم في قدرته على نقل مشاعر الفقد والحزن والعظمة دون تصوير مباشر لحدث عاشوراء.

الموسيقى الخالدة، والصور الشعرية، والرواية الصوفية جعلت من "يوم الواقعة" أهم مرجع بصري لعاشوراء في الذاكرة الجماعية الإيرانية لسنوات.حصل الفيلم على خمس جوائز "سيمرغ البلورية" من مهرجان فجر، وما زال يُشار إليه كأفضل فيلم عاشورائي في تاريخ السينما الإيرانية.

"البراءة المفقودة" وداود ميرباقري

بعد نجاح مسلسل "الإمام علي (ع)"، دخل التلفزيون مرحلة جديدة من إنتاج الأعمال التاريخية والدينية. وكان من بينها "البراءة المفقودة"، أحد أكثر التجارب تميزاً. بدلاً من الرواية المباشرة لكربلاء، توجه ميرباقري إلى خلفيات تشكلها. قصة شوذب، أحد رفاق الإمام علي (ع) السابقين، الذي يبدأ في الانزلاق بسبب الطموح وإغراء السلطة، ويقترب من جبهة معارضي الإمام الحسين (ع).قدم المسلسل، بحواراته الرائعة، وشخصياته المعقدة، وأدائه الخالد، صورة تراجيدية لمجتمع كان يتجه ببطء نحو كارثة عاشوراء.

"مختار نامه" رسالة المختار وداود ميرباقري

يمكن اعتبار "المختار الثقفي" أكبر مشروع تاريخي في تاريخ التلفزيون الإيراني. مسلسل استغرق إنتاجه سنوات، ولا يزال من حيث حجم الإنتاج، وتصميم الديكور، والأزياء، وعدد الممثلين، واتساع السرد، بلا نظير في التلفزيون الإيراني.

قصة انتقام المختار الثقفي لثأر شهداء كربلا، أتاحت الفرصة لميرباقري لإعادة بناء جزء من واقعة عاشوراء، وتصوير مصير مرتكبيها. ورغم وجود آراء مختلفة حول القراءة التاريخية للمسلسل، إلا أنه لا شك أن "مختار نامه" يُعتبر أهم وأشمل صورة لعاشوراء في الذاكرة البصرية للأجيال الجديدة.

"يوم القيامة" وأحمد رضا درويشكان

"يوم القيامة" أكثر محاولات السينما الإيرانية طموحاً للاقتراب المباشر من يوم عاشوراء.بعد سنوات من البحث والإنتاج، أنجز أحمد رضا درويش فيلماً كان على مستوى جيد من حيث تصميم الديكور، والمؤثرات البصرية، والمعايير الفنية.يُروى الفيلم من زاوية نظر بكير، نجل حر بن يزيد الرياحي، شخصية تعيش صراعاً بين جبهتي الحق والباطل، وتصل في النهاية إلى حقيقة واقعة عاشوراء.

ورغم الإشادات الكثيرة، إلا أن تصوير وجه أبي الفضل العباس (ع) وبعض الشخصيات المقدسة الأخرى، أثار جدلاً واسعاً، ولم يحظ الفيلم بفرصة عرض عام واسع. ومع ذلك، لا يزال "يوم القيامة" واحداً من أهم المشاريع السينمائية عن عاشوراء.

"الليلة العاشر" وحسن فتحي

إذا أردنا تسمية مسلسل واحد فقط عن ثقافة عاشوراء، فسيكون "الليلة العاشر" بلا شك في صدارة القائمة. تدور أحداثه في عهد رضا شاه، بالتزامن مع حظر التعزية (التمثيلية الدينية).

يتعهد حيدر خوش مرام للوصول إلى حبه بإقامة عشر ليالٍ من التعزية؛ تعهد يغير حياته تدريجياً.تكمن قوة "الليلة العاشرة" في أنها تروي التعزية ليس فقط كطقس، بل كعامل لتطور الشخصيات. لا يزال المسلسل، بعد أكثر من عقدين، واحداً من أشهر أعمال محرم على التلفزيون.

"يلدا" وحسن ميرباقري

جعل "يلدا" التعزية محور روايته. قصة رجل عجوز مؤدي للتعزية يحاول في سنوات عمره الأخيرة الحفاظ على تقليد آخذ في الاندثار. ورغم أن المسلسل لم يحظَ بمشاهدة "الليلة العاشرة"، إلا أنه من الأعمال النادرة التي وضعت التعزية في مركز السرد.

---"الرحلة الخضراء" ومحمد حسين لطيفي

كان "الرحلة الخضراء" واحداً من أولى المسلسلات التي جعلت أجواء محرم جزءاً لا يتجزأ من روايتها. قصة شاب إيراني الأصل نشأ في ألمانيا ويعود إلى إيران للعثور على عائلته الحقيقية.

ليالي محرم ومراسم العزاء في هذا المسلسل ليست مجرد خلفية، بل تشكل جزءاً من رحلة هوية البطل. لا يزال الكثيرون يعتبرون هذا المسلسل الصورة الأكثر حنيناً لمحرم في طهران خلال عقد الثمانينيات الهجرية.

"المحتجب" وبهروز شعيبي

على الرغم من أن الموضوع الرئيسي لـ "المحتجب" هو حياة رجال الدين، إلا أن طقوس عزاء محرم في الأجزاء الأخيرة من المسلسل تلعب دوراً مهماً في تطور الرواية، مما جعل هذا العمل أيضاً ضمن الأعمال المرتبطة بثقافة عاشوراء.

---"من أجل هانية" وكيومرث بور أحمد

استخدم الفيلم طقس "الدمام" (الطبول الجنوبية) في جنوب إيران، ليخلق رابطاً شعرياً بين الثقافة المحلية وواقعة عاشوراء.

"المكسور القلب" وعلي روئين تن

رواية عاطفية تدور أحداثها في ليالي محرم، وتستلهم مفاهيم التوبة والمغفرة والعودة.

---"أنا وزيبا" وفريدون حسن بور

قصة رجل في طريق التوبة وتعويض الماضي، وتحدث ذروة تحوله الداخلي في أجواء عاشوراء.

---"كربلاء؛ جغرافية تاريخ" وداريوش ياري

يستعرض الفيلم الوثائقي لـ داريوش ياري، برواية شهاب حسيني، مسار حركة الإمام الحسين (ع) والأثر التاريخي لثورة عاشوراء، ويُعتبر من أهم الوثائقيات في هذا المجال.

استعراض أربعة عقود من الإنتاج العاشورائي يظهر أن السينما والتلفزيون الإيراني نادراً ما اتجها نحو التمثيل المباشر لواقعة كربلاء، مفضلين الاقتراب من هذا الحدث عبر شخصيات هامشية، وتبعات تاريخية، وطقوس عزاء، وانعكاسات ثقافية.

من "السفير" و"يوم الواقعة" اللذين شكلا أسس السينما العاشورائية، إلى "مختار نامه" الذي خلق أكبر صورة تلفزيونية لهذه الملحمة، وأعمال مثل "الليلة العاشرة" و"الرحلة الخضراء" التي بحثت عن عاشوراء في نسيج حياة الناس، كلها تظهر أن كربلاء بالنسبة لفن إيران ليست مجرد حدث تاريخي؛ بل هي ينبوع لا ينضب لسرد مفاهيم مثل الحرية، والوفاء، والتضحية، والعدالة، والبحث عن الحقيقة، وهي مفاهيم لا تزال تتجدد في كل جيل بشكل جديد.