السينما بين الهوية والمسؤولية الاجتماعية:
في لقاءاته المتعددة، أكد القائد الشهيد أن السينما ليست أداة ترفيه فحسب، بل فنٌّ مؤثر في بناء الأمل والهوية والإيمان، وأداة للنقد الاجتماعي وسرد الحقيقة.
ورأى أنها، إذا استندت إلى قصة قوية ومضمون صحيح ورؤية مسؤولة، يمكنها أن تسهم في مسار التقدم الثقافي للبلاد.وفي منظومته الفكرية، تحمل السينما في آنٍ واحد: السرد، والهوية، والمسؤولية الاجتماعية، وصناعة الأمل، والنقد البنّاء، ونقل المفاهيم الدينية والوطنية. وهو فنٌّ، إذا خلا من القصة والشكل الفني، يفقد تأثيره، وإذا ابتعد عن الحقيقة والمسؤولية، قد يولد اليأس بدل الأمل، والتخلف بدل الهوية.
لقاء تاريخي مع المخرجين (2006):
من أصرح المواقف التي عبّر عنها القائد الشهيد حول السينما، كان لقاؤه بمجموعة من مخرجي السينما والتلفزيون في 13 يونيو 2006، والذي استمر ثلاث ساعات، وضم 16 مخرجاً منهم: مسعود جعفري جوزاني، تحمينة ميلاني، شهريار بحراني، رسول صدرعاملي، مجيد مجيدي، إبراهيم حاتمي كيا، كيانوش عياري، وعليرضا رئيسيان.في هذا اللقاء، وصف القائد السينما بأنها "فن معقد ومتميز جداً"، واعتبر أنها "ضرورة وحاجة للبلاد".

وأكد أن "مفتاح تقدم البلاد" بيد السينمائيين إلى حد كبير، لأن السينما قادرة على تعزيز روح الأمل، والحماس للتقدم، والثقة بالنفس، والإيمان بالقيم الإسلامية والوطنية في المجتمع.
كما بيّن موقفه من النقد الاجتماعي، مشيراً إلى أن النقد المسؤول والعرض المخلص لنقاط الضعف مقبول، بل إن مرارته تصبح مستساغة إذا كان التوجه المخلص بارزاً في العمل. وهنا الفرق بين النقد البنّاء والتشاؤم، وبين تصوير جرح المجتمع وترك المشاهد بلا أمل.
---مسؤولية مشتركة وليس حملًا فرديًا:
ردّ القائد على مخاوف بعض المخرجين حول العلاقة بين السينما والمفاهيم الدينية، مؤكداً أنه لا ينبغي إلقاء كل أخطاء التوجيه على عاتق المخرج وحده، بل يجب على المؤسسات الثقافية والفكرية والجهات المسؤولة أن تهيئ الأرضية لنقل المفاهيم الصحيحة العميقة إلى الفنانين. وهذه الرؤية تضع إنتاج العمل الثقافي ضمن سلسلة أكبر من السياسات، والتعليم، وإنتاج الفكر، والتواصل بين المفكرين والفنانين.

السينما والدين.. فن راقٍ لا متجمد:
في لقاء آخر مع مثقفي وفناني البلاد (يوليو 2001)، ميّز القائد الشهيد بين "الفن الديني" والفن الجامد المتشدد، معرّفاً الفن الديني بأنه ما يستطيع تجسيد المثل العليا للإسلام، كالسعادة الإنسانية، والحقوق المعنوية، والارتقاء بالإنسان، والتقوى، والعدالة في المجتمع البشري. وأضاف أن الفن لا يُصنع بالقرارات الإدارية، بل يحتاج إلى دافع داخلي وإيمان واندفاع ذاتي ليكون خالداً.

نظرة مستقبلية وإصرار على القصة القوية:
في لقائه مع القائمين على مهرجان "عمّار" السينمائي الشعبي (فبراير 2013)، شدد القائد على ضرورة "نظرة بعيدة المدى" للفن الإسلامي والسينما الدينية، مع تخطيط دقيق وأمل بالمستقبل، واستثمار مناسب لأدوات الفن لتحقيق أقصى تأثير. واعتبر الشباب المؤمنين، المبدعين، ذوي النظرة الجديدة والعزيمة العالية، هم المحرك الأساسي للحركة إلى الأمام، مع ضرورة حضور المتدينين والثوريين والمتخصصين وذوي الخبرة في هذا المجال.
وأعاد التأكيد على ضرورة الاعتماد على قصة وسيناريو قويين، معترفاً أن فن كتابة القصة والرواية في البلاد لا يزال بعيداً عن المستوى المطلوب. كما أشار إلى مواضيع ثرية كتاريخ الثورة الإسلامية، والدفاع المقدس (الحرب العراقية-الإيرانية)، وفلسطين، والصحوة الإسلامية، باعتبارها حقولاً خصبة للسينما.

سينما الدفاع المقدس.. كنز لا ينضب:
يُعدّ موضوع الدفاع المقدس من أكثر المحاور تكراراً في كلمات القائد الشهيد عن السينما، ليس كموضوع مناسباتي، بل كمنجم عميق للسرد الفني. ففي لقائه مع فناني الدفاع المقدس (سبتمبر 2009)، وصف سنوات الحرب الثماني بأنها "كنز عظيم" يمكن للأمة الإيرانية الاستفادة منه طويلاً، فهو ليس فترة تاريخية فحسب، بل ملحمة، وروحانية، وتديّن، ومثالية، وإيثار، ومقاومة، وتدبير، وإبداع للشباب.ونفى القائد أن تكون مضامين الدفاع المقدس مكررة، مؤكداً أن أجزاء كثيرة من هذا الميدان لم تُكتشف بعد، وأن الفنان بالبحث فيه يمكنه الوصول إلى مضامين بكرٍ ومعبّرة. كما اعتبر أن فكرة عدم وجود جمهور لهذا الفن هي خطأ، مستشهداً بأعمال سينمائية وأدبية ناجحة ومشهود لها.
نموذج عملي: فيلم "شيار 143":
تجسّدت هذه النظرة عملياً في لقاء القائد مع طاقم فيلم "شيار 143" (يونيو 2014)، حيث قال بعد مشاهدته: "رأيت الفيلم، وكان جيداً جداً". وأشاد بقصته، وإخراجه، وتمثيله، ومضمونه، معتبراً إياه عملاً قيّماً. وتكمن أهمية هذا الفيلم في نقله للدفاع المقدس من خط المواجهة إلى الجبهة الخلفية، مسلطاً الضوء على أمهات الشهداء وصبر العائلات، ليؤكد أن رواية الحرب ليست فقط معارك، بل أيضاً رواية انتظار، وأم، وعائلة، وإيمان، وصبر، وروابط عاطفية في المجتمع.

خلاصة الرؤية:
من لقاء 2006 مع المخرجين إلى لقاء فيلم "شيار 143"، ومن التأكيد على مسلسل "يوسف النبي" إلى مهرجان "عمّار"، يسير خطّ واضح: السينما المثلى من منظور القائد الشهيد يجب أن تكون:· قاصّة للقصص،· فنية راقية،· جذورها في الحقيقة،· مسؤولة تجاه المجتمع،· مولّدة للأمل،· ناقدة ولكن مخلصة،· معتمدة على الهوية الدينية والوطنية.
في هذه الرؤية، تكون السينما مؤثرة حين لا تقع في فخّ الشعارات الجوفاء، ولا في فخّ التشاؤم الأسود؛ حين لا تفرّط في جاذبيتها الفنية، ولا تبيع الحقيقة مقابل الجوائز أو إرضاء المهرجانات.
من هذا المنطلق، السينما في إيران ليست مجرد شاشة فضية، بل ساحة ثقافية يمكن فيها الحديث عن الأسرة، وأمهات الشهداء، والعدالة، والمقاومة، والأمل، والنقد الاجتماعي، والإيمان، والهوية الإيرانية-الإسلامية، بشرط أن يتقن المخرج لغة الفن، ويعرف مسؤوليته الاجتماعية، ويستغل طاقة القصة الكبيرة لإيصال الحقيقة إلى المتلقي.