وفقاً لتقرير الموقع الإخباري لمتحف السينما الإيرانية، فإن بلادنا هذه الأيام تقلب صفحات التاريخ بطريقة ستُروى لسنوات قادمة. في تاريخ الأمم، هناك أيام ليست مجرد أحداث؛ إنها أيام تتحول إلى حدود تفصل بين عصرين تاريخيين. في تلك الأيام، لا تكون الشوارع مجرد ممرات للحشود، بل تتحول إلى مسرح لتسجيل أحد أهم لحظات أي بلد.
في مثل هذه المحطات الحاسمة، لا تكون الكاميرات مجرد شاهدة على الموقف، بل هي منهمكة في بناء الذاكرة البصرية للمستقبل. والآن، بينما يودع إيران قائده الشهيد، تسجل مئات الكاميرات من زوايا مختلفة لحظات قد لا تتجلى قيمتها الحقيقية اليوم، بل بعد سنوات أو حتى عقود؛ حينما تريد الأجيال القادمة أن تعرف كيف كان وجه إيران في تلك الأيام التاريخية.

قلّما نجد حدثاً يمتلك قدرة السينما على خلق روايات مثلما تفعل لحظة توديع وطني. في مثل هذه اللحظات، تلتقي السياسة والتاريخ والمجتمع والثقافة والدين والمشاعر العامة في نقطة واحدة، وهذا التقاء يوفّر أرضية نادرة للتوثيق.
للوهلة الأولى، ما يُرى هو شوارع مكتظة بالحشود، رايات ترفرف في الريح، سيارات تحمل الجثمان، قوات الخدمات، الصحفيون، المصوّرون والناس؛ لكن ما يبقى لاحقاً في الأعمال الخالدة ليس عادةً هذه الصورة العامة، بل التفاصيل التي ربما لم تلفت الانتباه في تلك اللحظة.
نظرة أم رفعت طفلها على كتفها. يدا رجل عجوز عايش عن قرب سنوات من أهم مقاطع تاريخ بلاده، والآن جاء للوداع الأخير. مراهق ربما يخوض أول مشاركة له في مناسبة وطنية. مسعف يعمل ساعات دون كلل وسط الحشود. مصوّر يبحث بين مئات الكاميرات عن إطار مختلف. التاريخ، أكثر مما يُسجّل في إطارات مهيبة، يخلد في هذه اللحظات الإنسانية.

لعل لهذا السبب، كانت أعظم الأفلام الوثائقية في التاريخ، أقلّ سعياً لإعادة بناء عظمة حدث ما، وأكثر محاولة لتسجيل مشاعر البشر في صلب ذلك الحدث. الصورة تكتسب قيمة تاريخية حين تستطيع أن تنقل المشاهد الذي يشاهدها بعد عقود إلى قلب ذلك اليوم، بحيث يشعر بصوت الحشود، وصمت الشوارع، والقلق، والحزن، والأمل.
وهذه الأيام، إيران بصدد تشكيل مثل هذا الأرشيف. مجموعات مختلفة من صانعي الأفلام الوثائقية، مصوّرو الأخبار، المصوّرون الفوتوغرافيون، أمناء الأرشيف وصنّاع الأفلام، كلٌ يسجّل جزءاً من هذه اللوحة الكبيرة. لن تكون حصيلة عملهم مجرد أفلام قليلة أو آلاف الصور؛ بل ستكون كنزاً بصرياً ستُرجَع إليه مراراً في السنوات القادمة.

لقد أثبتت التجربة أن قيمة العديد من الصور التاريخية تتضاعف مع مرور الزمن. إطار قد يبدو اليوم مجرد صورة للازدحام، يمكنه بعد سنوات أن يزوّد الباحثين بمعلومات وفيرة عن ملابس الناس، والمعالم الحضرية، وطريقة إقامة المراسم، والرموز الثقافية، ولغة الجسد، وحتى الأجواء الاجتماعية لتلك الفترة. ولهذا، توثيق مناسبة وطنية ليس مجرد تسجيل لمشاعر يوم واحد؛ بل هو تسجيل لطبقات مختلفة من حياة مجتمع في فترة محددة من التاريخ.
من ناحية أخرى، عادة ما تفتح مثل هذه الأحداث موجة جديدة في السينما الوثائقية. فالعديد من الأعمال المهمة لا تتشكل في يوم الحدث، بل بعده؛ حينما تتاح للمخرج فرصة تجميع الصور المسجّلة، ومقابلة الشهود، ووضع الروايات المختلفة جنباً إلى جنب، واستخراج قصة متماسكة من بين آلاف الساعات من التسجيلات.
في السنوات الأخيرة، أثبتت السينما الوثائقية الإيرانية مراراً قدرتها على خلق أعمال خالدة في توثيق الأحداث الاجتماعية والتاريخية الكبرى. وقد أثبتت تجارب مختلفة أنه كلما تجاوز المخرج سطح الحدث ووصل إلى الطبقات الإنسانية والثقافية والاجتماعية، زاد عمر عمله.
هذه المسألة تزيد التوقعات من الأفلام الوثائقية الجاري إنتاجها حول توديع القائد الشهيد.
انتهى الوداع الذي استمر يومين في المصلى والموكب المهيب في طهران، وما زالت الوداعات الأخرى مستمرة، لكن ما هو أمام الكاميرات اليوم ليس مجرد مراسم؛ بل مجموعة من الروايات الإنسانية، كل واحدة منها يمكن أن تكون بمفردها موضوعاً لفيلم. كل وجه، كل نظرة، كل مخطوطة، كل راية، كل صمت، وكل دمعة، هي قطعة من رواية أكبر؛ رواية ستقدّم في النهاية صورة لأمة في أحد أهم مقاطع تاريخها.
ربما بعد سنوات، حين يريد الباحثون، وصنّاع الأفلام الوثائقية، أو الأجيال التي لم تعش هذه الأيام عن قرب، العودة إلى هذه الفترة التاريخية، سيُرجِعون قبل أي شيء آخر إلى هذه الصور. من خلال هذه الإطارات سيفهمون كيف كان أجواء شوارع إيران، وكيف وقف الناس جنباً إلى جنب، وما اللون الذي اكتسبته المدينة، وكيف اجتاز المجتمع أحد أهم أيام تاريخه المعاصر.
من هذا المنظور، الأفلام الوثائقية التي تُنتج هذه الأيام، لا تُصنع فقط لعرضها في مهرجان أو بثها عبر قناة تلفزيونية. بل ستكون جزءاً من الذاكرة البصرية لإيران؛ ذاكرة لا تفقد قيمتها مع مرور الزمن فحسب، بل تزداد أهميتها كل عام. لأن التاريخ، قبل أن يُقرأ في الكتب، يُتذكّر في الصور