بحسب ما أورده الموقع الاخباري لـ"متحف السينما الإيرانية" نقلاً عن موقع "سورة سينما"، فإنه مع اقتراب الأربعين من كل عام، تُنتَج أو تُعاد إذاعة عشرات الوثائقيّات والبرامج التلفزيونية عن هذا الحدث؛ لكن إذا أردنا تحديد عمل واحد فقط باعتباره نقطة الانطلاق لسينما الأربعين في إيران، فلا شك أننا سنذكر وثائقي "الأربعين" لناصر تقوائي.
ذلك الفيلم الذي مضى على إنتاجه أكثر من نصف قرن، لكنه لا يزال واحداً من أهم وأكثر الأعمال الوثائقية الدينية تأثيراً في تاريخ السينما الإيرانية.
أنتج تقوائي هذا الوثائقي الذي تبلغ مدته 21 دقيقة في عام 1349 هجري شمسي (1970 ميلادي) لصالح مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الوطني الإيراني.
يدور الفيلم في مدينة بوشهر، ويوثق مراسم الأربعين وطقوس العزاء لدى أهل الجنوب؛ وهو عمل يختلف عن كثير من الوثائقيّات الدينية، إذ لا راوي فيه، ولا مقابلات، ولا شروح. كل شيء ينبثق من عمق الصورة والإيقاع والصوت والحركة.
ما جعل فيلم "الأربعين" خالداً هو نظرة تقوائي المختلفة. فبدلاً من أن يكتفي بتسجيل المراسم، حوّل العزاء إلى تجربة سينمائية.
تتحرك الكاميرا على إيقاع آلات "السنج" و"الدمام" (آلات إيقاعية جنوبية)، ويتوافق المونتاج مع إيقاع الرثاء، وصُممت اللقطات بحيث يشعر المشاهد بأنه بين المعزّين، لا أمام تقرير مصوّر.
جزء مهم من هوية الفيلم يعود أيضاً إلى حضور جهانبخش كرديزاده (المعروف بـ"بخشو")، المنشد الأسطوري لبوشهر. فصوته لا يشكّل فقط الحمولة العاطفية للفيلم، بل يُعتبر اليوم واحداً من أهم الوثائق الصوتية لثقافة العزاء في جنوب إيران.
وكان تقوائي قد صرّح لاحقاً عن هذا الفيلم بأنه في عزاء أهل بوشهر، تظهر المشاعر الإنسانية بأكثر الأشكال هدوءاً وجمالاً؛ وهي جملة تشرح بشكل جيد فلسفة صنع فيلم "الأربعين". فهو لم يكن يسعى لتسجيل النحيب، بل أراد أن يرسم جماليات طقس متجذّر.لا يُنظر إلى فيلم "الأربعين" باعتباره مجرد وثائقي أنثروبولوجي (إثنوغرافي) فحسب.
بل يُعد هذا الفيلم، إلى جانب فيلم "رياح الجن" (باد جن)، من أهم الأعمال الوثائقية لموجة السينما الإيرانية الجديدة، وقد استلهم الكثير من صانعي الأفلام الوثائقية في الأجيال اللاحقة من شكله البصري وإيقاع مونتاجه وأسلوب سرده. حتى اليوم، بعد مرور أكثر من خمسين عاماً، لا يزال الفيلم حاضراً في معظم قوائم أفضل الأفلام الوثائقية الإيرانية.
ورغم أن مسيرة الأربعين تحولت اليوم إلى أكبر تجمّع سنوي في العالم، ويشارك فيها سنوياً ملايين الأشخاص من عشرات الدول، فإن حصة السينما الروائية الإيرانية من هذا الحدث تكاد تكون معدومة.
في العقدين الأخيرين، أُنتج عشرات الأفلام الوثائقية عن الأربعين؛ بدءاً من حكايات الزائرين والمواكب، وصولاً إلى وثائقيّات أنثروبولوجية واجتماعية وحتى أعمال تجريبية.
وهذا في وقت يمتلك فيه الأربعين إمكانيات درامية هائلة؛ رحلة تمتد لمئات الكيلومترات، وشخصيات من ثقافات وجنسيات مختلفة، وتقابل لغات، وأزمات، وتضحيات، وكرم ضيافة، وحكايات يمكن لكل واحدة منها أن تكون أساس فيلم سينمائي كبير.
في الواقع، تماماً كما استطاع فيلم "الأربعين" لناصر تقوائي قبل أكثر من نصف قرن أن يحوّل طقساً دينياً إلى عمل خالد في تاريخ السينما الوثائقية الإيرانية، فإن السينما الإيرانية اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى فيلم روائي كبير عن الأربعين؛ فيلم لا يكون مجرد عمل مناسباتي، بل حكاية إنسانية وعالمية وخالدة عن أكبر تجمّع ديني في العالم.
قد يكون من الغريب أنه رغم إنتاج مئات الأفلام الوثائقية، لم يتمكن أي فيلم سينمائي حتى الآن من أن يحظى بالمكانة نفسها في أذهان المشاهدين التي حظي بها وثائقي ناصر تقوائي الذي لا يتجاوز مدته 21 دقيقة والذي أُنتج عام 1349 هـ.ش؛ إنه الفيلم الذي لا يزال، بعد خمسة عقود، نقطة انطلاق أي نقاش حول "سينما الأربعين".
لكن عندما يتعلق الأمر بالفيلم الروائي الطويل، لا يزال لا يوجد أي عمل بارز أو مؤثّر قادر على سرد عظمة هذا الحدث بلغة السينما.