في أعماق جبال زاغروس، حيث منطقة دِژكوه في كهكيلويه، وُلِدَ طفلٌ كان له بعد سنين أن يُسجّل باسمه وكلماته وأدواره ونظرته المميّزة جزءاً من تاريخ الفن الإيراني.
إنه حسين بناهي، الفنان الذي تخطّى حدود قريةٍ صغيرةٍ ليصل إلى فضاء الثقافة والفن الإيراني الرحب.
ليس حسين بناهي بالنسبة لأهالي كهكيلويه وبوير أحمد مجرّد ممثلٍ معروف، بل هو جزءٌ من هوية هذه المحافظة الثقافية؛ فنانٌ حوّل البساطة إلى لغةٍ فنية، واستلهم من حياة الناس العاديين، برؤيةٍ شاعرية، ليحكي آلام الإنسان المعاصر ووحدته وآماله وتساؤلاته.
تمرّ السنوات على رحيله، لكنّ اسمه ما يزال حيّاً بين الأجيال؛ حواراته تُتلى، أشعاره تُقرأ، وأعماله تحتفظ بجِدّتها لعشّاق الفن.
وبهذه المناسبة، أجرت وكالة "مهر" للأنباء حواراتٍ مع مجموعةٍ من المخرجين والأساتذة والناشطين في مجال المسرح من كهكيلويه وبوير أحمد، لاستعراض مكانة حسين بناهي في الفن الإيراني وتأثيره على الحراك الثقافي في المحافظة.

حسين بناهي: تيّارٌ فكري في الفن الإيراني
قال مخرجٌ وناشطٌ مخضرم في مسرح المحافظة، في حواره مع مراسل "مهر": لا يمكن اعتبار حسين بناهي مجرّد ممثلٍ أو شاعر، بل هو تيّارٌ فكريٌ في الفن الإيراني. كانت أهمّ ميزاته قدرته على استخراج المعاني الإنسانية العميقة من صميم البساطة.
وأضاف: جاء بناهي من مكانٍ لم يكن يتوقّع أحدٌ أن ينجبَ وجهاً وطنياً بهذا المستوى، لكنه أثبت أن الموهبة والفكر والرؤية الفنية لا تحدّها الجغرافيا.وتابع: من أبرز سمات أعماله الصدق في التعبير؛ لم يكن يسعى إلى التعقيد، لكن خلف تلك البساطة كان يكمن فكرٌ عميق يدفع المتلقي إلى التأمّل.
وأكّد: في تمثيله وكتابته المسرحية وشعره، كان لبناهي بصمته الخاصة؛ فما إن نشاهد عملاً له أو نقرأ نصّاً له، حتى ندرك أن هذه الرؤية تعود لفنانٍ مغاير.
وأشار إلى أن بناهي يُعدّ قدوةً لفناني المحافظة، وقال: على الشباب الناشط في المسرح أن يدركوا أنّ الفنان يمكنه أن ينطلق من منطقةٍ مغمورة، ويصل بالجدّ والفكر إلى منزلةٍ وطنية.
بناهي أضاف لغةً جديدةً إلى الفن الإيراني
من جهته، قال مير رضا رفيعي، أحد الناشطين والأساتذة في مجال المسرح بالمحافظة، في حواره مع "مهر": كان حسين بناهي فناناً يمتلك نظرةً جديدةً إلى الحياة؛ لم يكن يؤدّي فقط، بل كان يُقدّم رؤيته الكونية في قالبٍ فني.
وأضاف: كثيرون يحاولون التميّز، لكن تميّز بناهي نبع من داخله ومن نظرته إلى الإنسان؛ فقد كان يرى الإنسان بكلّ ضعفه ووحدته وأفراحه وهمومه.وتابع: في أعماله، اجتمعت الثقافة المحلية مع الرؤية العالمية؛ فهو من جهة متجذّر في مسقط رأسه، ومن جهة أخرى يحدّثنا بلغةٍ يفهمها كلّ البشر.

بناهي مهّد الطريق للأجيال القادمة
أمّا محمد سليمي راد، أحد المخرجين الشباب في مسرح كهكيلويه وبوير أحمد، فقال في حديثه لـ"مهر": بالنسبة للجيل الجديد من فناني المحافظة، ليس حسين بناهي مجرّد اسمٍ تاريخي، بل هو حافزٌ ودافع. فعندما نرى فناناً من هذه الأرض قد تألّق على المستوى الوطني، نؤمن بأنّ طريق الفن يمكن أن يبدأ من هنا.
وأضاف: الفهم الصحيح لبناهي يتطلّب دراسة أعماله؛ فلا ينبغي اختزاله في أدواره التلفزيونية القليلة، فخلف ذلك الوجه الهادئ كان كاتباً وشاعراً ومسرحيّاً مفكّراً.وتابع: من احتياجات المحافظة اليوم، تعريف الأجيال الشابة بشخصياتٍ ثقافيةٍ مثل حسين بناهي، ليعلموا أن ثرواتٍ ثقافيةً كبيرةً كانت موجودةً في هذه المنطقة.
وأكد أحد أسباب خلود حسين بناهي أن أعماله ليست رهينةً بزمنٍ معيّن؛ فعندما نقرأ اليوم شعراً أو حواراً له، نشعر أنه يتحدّث عن قضايا الإنسان المعاصر.
واختتم: علّمنا بناهي أن الفن لا يأتي بالضرورة من التعقيد؛ فجملةٌ قصيرة، أو نظرةٌ بسيطة، أو صمتٌ قد يكون أعمق أثراً من عملٍ زاخر بالزخارف.
بناهي والمسرح: رابطٌ لا يزال مستمرّاً
يرى الناشطون في مجال المسرح بالمحافظة أنّ تأثير حسين بناهي لا يقتصر على ما خلّفه من أعمال، بل إنّ نظرته في بناء الشخصيات والحوار والسرد الإنساني ما زالت مصدر إلهامٍ للفنانين.كان بناهي من جيلٍ لم يرد الفن لمجرّد الظهور، بل رآه سبيلاً لمعرفة الإنسان؛ وهذا ما جعل أعماله تحتفظ بجاذبيتها بعد كلّ هذه السنوات.

ضرورة توثيق التراث الفني لحسين بناهي والتعريف به
يشدّد خبراء الثقافة في المحافظة على أنّ التعريف بحسين بناهي لا ينبغي أن يقتصر على إقامة مناسباتٍ ظرفية، بل يجب دراسة أعماله وفكره ومسيرته الفنية بشكلٍ علمي ونقلها إلى الأجيال القادمة.ويرون أن إنشاء أرشيفٍ لأعماله، وإقامة مهرجانات مسرحية باسمه، ودعم البحوث الفنية، والتعريف بحياته وإبداعاته، يُمكن أن يكون جزءاً من وفاء المجتمع الثقافي لهذا الفنان الزاغروسي.
رجلٌ ما يزال يحدّث الناس
حسين بناهي غادر دنيانا منذ سنوات، لكنّ صوته ما يزال يُسمع من خلال أشعاره ومسرحياته وأدواره.لقد أثبت أنّ الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود؛ فمن قلب قريةٍ في زاغروس يمكن الوصول إلى قلوب الملايين.
اليوم، يحمل اسم حسين بناهي لأهالي كهكيلويه وبوير أحمد ذكريات فنانٍ نهض من تراب هذه الأرض وصار جزءاً من التراث الثقافي الإيراني؛ رجلٌ رحل بهدوء، لكنّ حكاياته ما تزال نابضة بالحياة.
