من مدرسة شابور إلى متحف السينما الإيرانية؛

حديقة فردوس شاهدة على قرنين من التاريخ والحضارة

حديقة فردوس شاهدة على قرنين من التاريخ والحضارة

كان من المعتاد في العصر القاجاري أن يبني كبار القوم وأعيانهم، في عهد كل ملك، قصورًا وعماراتٍ بالقرب من مصايف الشاه، ليكونوا دائمًا بجواره، وليظهروا بذلك مكانتهم ومكانة أسرهم.

وفقًا لتقرير وكالة أنباء متحف السينما الإيرانية، في منتصف شهر سبتمبر من عام 1227 هجري شمسي (الموافق سبتمبر 1848 ميلادي)، لجأ محمد شاه قاجار، وكان يعاني من النقرس وحرارة طهران القاتلة، إلى قصره غير المكتمل "قصر محمدية" في منطقة أسد أباد غرب شميران. وكان يتلوى ليلًا من الألم متمنيًا الموت.

وكانت تحركات رجال البلاط تشي باستعدادهم لوفاة الشاه. أما حاجي ميرزا آغاسي، الصدر الأعظم لمحمد شاه، فلم يفارقه في تلك الأيام، وكان منزله الصيفي في عباسية قرب تجريش.

وفي إحدى الليالي، استدعى الشاه حسين علي خان معير الممالك، وهو أمين الخزانة وخبير سكّ العملات في البلاط. وكان يحظى بثقة محمد شاه لدرجة أنه طلب منه بذل قصارى جهده لتولية ولي العهد ناصر الدين ميرزا (ناصر الدين شاه لاحقًا) العرش الطاووسي.

وقد نفذ معير الممالك وصية الشاه، رغم أنه واجه لاحقًا في عهد أمير كبير (الصدر الأعظم) إهمالًا ونُفي خارج طهران.

يُقال إنه امتلك نصف أراضي طهران في ذروة ثروته. وبينما عانى محمد شاه من تمويل قصر محمدية الذي هُدم بعد وفاته لرداءة بنائه، أتم حسين علي خان معير الممالك في حياة الشاه بناء عمارة أنيقة بالقرب من قصر محمدية، عُرفت باسم "عمارة باغ فردوس" نسبة إلى موقعها في منطقة حديقة فردوس.

وكانت أراضي أسد أباد ملكًا له في الأصل، وقد وهبها لمحمد شاه.كانت العادة في العصر القاجاري أن يبني الأعيان مساكن صيفية قرب مصايف الشاه، ليؤكدوا قربهم منه وهيبة أسرهم.

جولة في منطقة حديقة فردوس وعمارتها الشهيرة:

تقع الحديقة في منطقة تجريش وشميران، وينحدر سطحها من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي.

ويزيد انحدار الأرض بالقرب من المبنى الرئيسي لدرجة أن أرضية الطابق الأول تتساوى مع الجزء الجنوبي من الحديقة، بينما يتساوى سقفه مع الجزء الشمالي.

وقد تم تقسيم الأرض المنحدرة جنوب العمارة إلى سبع مصاطب باستخدام الجدران الحجرية، بفارق عدة أمتار بين كل مصطبة وأخرى.

ووفقًا للنصوص الموثقة، كانت الحديقة تتألف من جزأين: خارجي وداخلي. الجزء الخارجي هو المعروف غالبًا باسم "باغ فردوس"، ويقع فيه المبنى الحالي.

أما الجزء الداخلي، فيُقال إنه كان في الجهة الجنوبية الغربية، ويرجح أنه يعود لنفس الفترة الزمنية.كانت الأحواض المائية تكبر تدريجيًا كلما ابتعدت عن العمارة، وكانت نوافير المياه المتدفقة من شرفة الطابق الثاني تمنح منظرًا خلابًا.

وقد يعود تدمير هذه الأحواض لاحقًا إلى توسعة الشوارع المحيطة التي كانت جزءًا من الحديقة سابقًا. يُعتقد أن للحديقة مداخل متعددة، وقد ورد في النصوص أنها كانت تمتلك سبعة مداخل: اثنان في الشمال، وثلاثة في الجنوب، وواحد في الشرق، وآخر في الغرب.

ومن المرجح أن المدخل الرئيسي كان في الجهة الشمالية القريبة من قصر محمدية، حيث يبعد حوالي مائتي خطوة عنه. كما تظهر في الموقع القديم للحديقة مجاري قناتين مائيتين في الشمال والجنوب.

مباني حديقة فردوس:

شهدت الحديقة تشييد عدة مبانٍ منذ نشأتها. أول عمارة، وفق الوثائق، كانت ذات طابقين، بناها حسين علي خان معير الممالك في عهد محمد شاه على الطراز المعماري "فيل گوش" (أذن الفيل). وقد هُجرت هذه العمارة بعد بناء العمارة الثانية على يد دوست علي خان نظام الدولة، ثم تداعت تدريجيًا.

أما العمارة الثانية، وهي المبنى الرئيسي القائم حتى اليوم، فلها قصة طريفة.

فبعد الثورة الدستورية الإيرانية، اشتراها سبهسالار تنكابني، وأعاد ترميمها، وأضاف إليها نوافير وأحواضًا مائية، وأحيا قناة الحديقة، وبنى مدخلًا مائيًا فخمًا عند منبع القناة (في ساحة الحديقة الحالية).

لكنه لاحقًا، بسبب ديونه لتاجر طومانيانس، تنازل عن الحديقة له، ثم تنازل طومانيانس عنها للحكومة في عهد رضا خان مقابل ديونه.

وفي عام 1937 ميلادي، اشترتها وزارة المعارف (وزارة التربية والتعليم) وأصلحت المبنى وأنشأت فيه مدرسة "شابور" في تجريش.

وفي عام 1971 ميلادي، تحول المبنى إلى مركز ثقافي وفني ومعارض، وبعد الثورة الإسلامية، أصبح تابعًا لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.كما اشترى محمود أفشار يزدي في عام 1937 ميلادي جزءًا من الحديقة والمبنى الداخلي بمساحة نحو 6000 متر مربع، واستمر في شراء الأراضي المجاورة حتى وصلت مساحة الحديقة إلى 12000 متر مربع. وفي عام 1958 ميلادي، أوقف الحديقة ومبانيها للأغراض الثقافية.

وفي عام 1973 ميلادي، خُصص جزء منها لمؤسسة "دهخدا" للقاموس ومعهد الآثار التابعين لجامعة طهران، ولا يزالان يعملان هناك.

يُذكر أنه منذ سبتمبر 2002ميلادي، انتقل متحف السينما الإيرانية إلى هذا المبنى، وهو مفتوح للجمهور للزيارة.