المتحف؛ حيث يذوب الزمن...

المتحف؛ حيث يذوب الزمن...

هنّأ المدير العام لمتحف السينما الإيرانية الدكتورة فاطمة محمدي بمناسبة اليوم الوطني للسينما، وكتب في مذكرة: اليوم الوطني للسينما سعيد. تحية للسينما التي ما زالت قادرة على إحضار الماضي إلى الحاضر، وتحويل الحاضر إلى فكرة، وربط المستقبل بالذاكرة.

بحسب وكالة أنباء متحف السينما الإيرانية، جاء رسالة في  الدكتورة فاطمة محمدي سيجاني:

بعد عرض النسخة المُرمَّمة من فيلم «ستارخان» في متحف السينما، قال أحد العاملين في مجال السينما جملة كانت بسيطة، لكنها لم تمرّ ببساطة عبر الذهن: «نحن وقعنا في حب السينما من خلال أعمال عظماء السينما.»

أحياناً تكفي ثلاث كلمات لبناء عالم كامل: عظيم. حب. سينما.أحياناً يعرف الذهن بنفسه كيف يحذف بقية الجملة؛ يُزيح بدايتها جانباً، ينسى وسطها، ويبني من بين هذه الكلمات الثلاث حكاية عن أناس لم يعودوا موجودين، وأفلام ما زالت حاضرة، وجيل قرّر يوماً ما أن يحب السينما بعد مشاهدتها.

ربما هذا هو عمل المتحف أيضاً؛ إزالة المسافات. المسافة بين الأمس واليوم؛ بين أولئك الذين صنعوا السينما وأولئك الذين يواصلونها اليوم؛ بين الذاكرة والواقع؛ بين ما كنّا عليه وما يمكن أن نكون.

لمدينة ليست فقط ما نعيش فيه اليوم. المدينة هي أيضاً ما عاشه الآخرون فيها قبلنا. المدن الكبرى ليست بالضرورة مدناً متروبوليتانية. ارتفاع المباني وعرض الشوارع وعدد الناس لا يجعل المدينة كبيرة.

تصبح المدينة كبيرة عندما تمتلك ذاكرة؛ والأهم من ذلك، عندما تُعيد ذاكرتها إلى مواطنيها. المدينة بلا ذاكرة، مهما كانت كبيرة، ليست سوى مجموعة من المباني.

والمتاحف هي الذاكرة الحيّة للمدينة.المتحف ليس مخزناً للماضي. لا يضع الماضي في قفص ليُشاهد فقط؛ بل يُحضره إلى الزمن الحاضر ليُقرأ من جديد.المتحف مكان لا يتوقف فيه الزمن؛ بل يذوب فيه. مدينة بلا متحف تشبه عائلة ليس لديها ألبوم عائلي؛ عائلة جلس جميع أفرادها معاً، لكن لا أحد يتذكر صورة شباب الآخر.

صورة قديمة ليست مجرد صورة. ملصق ليس مجرد ملصق. فيلم قديم ليس مجرد فيلم. كل واحد منها قطعة من ذاكرتنا.أحياناً يمكن لإطار سينمائي واحد أن يُذكّرنا بأكثر من عشرات الكتب بأجواء حقبة كاملة؛ بأشخاص كانوا يوماً شباباً، وشوارع لم تعد تلك الشوارع، وأحلام عاشها جيل كامل.لهذا السبب، لا يمكن اعتبار متحف السينما مجرد متحف لصناعة واحدة.

متحف السينما جزء من التجربة المعيشة للإيرانيين وذاكرتهم العاطفية.مكان يستطيع فيه شاب اليوم أن يقف أمام صورة من سينما الأمس ويفهم للمرة الأولى أن قبله أيضاً كان هناك أناس أحبوا السينما، وناضلوا من أجلها، وجُرحوا بسببها، وصنعوا لها أحلاماً.

وربما هناك بالضبط، يجد شخص عاش سنوات طويلة مع تلك الأفلام نفسها، في إطار قديم، شبابه فجأة.المتحف يأخذ الإنسان أحياناً إلى مكان لم يعد موجوداً منذ سنوات. هذه ليست حادثة صغيرة.

ربما مجتمعنا اليوم يحتاج أكثر من أي شيء إلى هذه المواجهة مع الذاكرة. مجتمع يفقد ذكرياته المشتركة، يبتعد تدريجياً عن «نحن» ويتحول إلى مجموعة من «أنا» المتناثرة؛ أناس يعيشون جنباً إلى جنب، لكن لم يعد لديهم شيء يتذكرونه معاً.يمكن للمتاحف أن تكون أحد أماكن إعادة بناء هذا «نحن»؛ ليس بفرض رواية واحدة، بل بوضع روايات مختلفة وصور وأصوات وأشخاص وتجارب متنوعة جنباً إلى جنب.

لأن الذاكرة ليس لها صوت واحد.

الذاكرة أوركسترا أصوات أمة؛ بعض الأصوات سُمعت وبعضها ما زال يعيش في صمت الأشياء.

والسينما يا لها من كنز عجيب لهذه الأصوات.

في اليوم الوطني للسينما، ربما لا يكون السؤال الرئيسي فقط: أي فيلم نصنعه اليوم؟ السؤال الأهم هو: من سينمانا اليوم، ما الذي سيُتذكَّر غداً؟ أي صورة؟ أي اسم؟ أي فيلم؟ أي صوت؟ أي حلم؟الأجيال القادمة لن تشاهد أفلامنا فقط؛ بل ستقرأ روايتنا عن أنفسنا.وهنا تكتسب الأهمية.

المتحف ليس مكاناً يجلس فيه الماضي وينظر إلى المستقبل.ربما المتحف هو المكان الوحيد الذي لا يشيخ فيه الماضي؛ في كل مرة يراه أحد، يُولد الماضي من جديد.

المتحف مكان يتلاشى فيه الماضي وتتشكل منه المستقبل.ربما لهذا السبب، متحف السينما ليس مجرد مبنى؛ إنه محطة زمنية.

محطة ينزل فيها الماضي، ويركب فيها الحاضر، ويعبر المستقبل من خلال ذكرياتنا.

إذا لم نحافظ على ذاكرة السينما، قد نصنع أفلاماً جديدة، لكن لن يكون لدينا شيء نقوله للأجيال القادمة.السينما ليست فقط ما نصنعه؛ بل أيضاً ما لا نسمح بأن يُنسى.اليوم الوطني للسينما سعيد.

تحية للسينما التي ما زالت قادرة على إحضار الماضي إلى الحاضر، وتحويل الحاضر إلى فكرة، وربط المستقبل بالذاكرة.